دراسة منصفة تتحلى بعمق التفكير وموضوعية البحث وشمولية الرؤية، تبحث في مرحلة غاية في الأهمية من تاريخ الأمة الإسلامية، وهي مرحلة العصر الراشدي وما يكتنفه من أحداث سياسية وقضايا تاريخية أثَّرت على مجرى الأحداث في العالم الإسلامي، والفتن التي سيطرت على
دراسة منصفة تتحلى بعمق التفكير وموضوعية البحث وشمولية الرؤية، تبحث في مرحلة غاية في الأهمية من تاريخ الأمة الإسلامية، وهي مرحلة العصر الراشدي وما يكتنفه من أحداث سياسية وقضايا تاريخية أثَّرت على مجرى الأحداث في العالم الإسلامي، والفتن التي سيطرت على الأحداث منذ عهد خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه.nوكعادة المؤلف فقد التزم أدق المناهج العلمية في العرض والمناقشة لنفض غبار السنين عن الكثير من الأحداث التي تضاربت فيها الأقوال واختلفت حولها التآويل.
| الكتاب | |
| الترقيم الدولي ISBN | 978-603-686-071-4 |
| اللغة | العربية |
| التجليد | كرتوني |
| نوع الورق | شمواة ياباني |
| عدد الصفحات | 666 |
| المقاس | 17 × 24 سم |
| عدد المجلدات | 1 |
| الوزن | 1200 جم |
| رقم الطبعة | 1 |
| سنة الطبع | 2011 |
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
أما بعد:
فإن هذا الموضوع يبحث في أهم مرحلة من تاريخ الأمة الإسلامية، وهي مرحلة العصر الراشدي، ولا سيما في الجانب السياسي والقضايا الداخلية، ويشير إلى محاولات المجوس واليهود اغتيال رسول الله ﷺ في المدينة المنورة.
ثم اختيار الخليفة بعد وفاة الرسول ﷺ بإجماع من المهاجرين والأنصار، وإظهار بيعة علي بن أبي طالب وسعد بن عبادة الأنصاري للخليفة أبي بكر رضي الله عنه دون أي تردد أو نزاع، والإشارة إلى استشهاد عمر الفاروق رضي الله عنه في محرابه على يد الغدر المجوسي، ومن ثم استشهاد عثمان رضي الله عنه وهو يتلو كتاب الله تعالى، نتيجة الحقد اليهودي المتحالف مع الغوغاء المنحرفة عن منهاج الراشدين وسيرتهم، والتي أشربت مكر اليهود وخبثهم ففتقت ذلك الفتق العظيم، الذي مثَّل أخطر حدث تعرضت له الأمة بعد وفاة رسول الله ﷺ لما ترتب عليه من نتائج وأخطار.
ويبحث هذا الموضوع أيضًا مكانة الصحابة وحرمتهم، والشبهات التي تذرع بها الخوارج لتسويغ ما قاموا به، والوقوف على حقيقة تلك الدعاوى والشبهات، والإجابة عن سلسلة من التساؤلات التي تثار عما جرى في تلك المرحلة، وعن الدور الحقيقي لعبد الله بن سبأ وحركته السرية التي انتشرت في الكوفة والبصرة ومصر، وعن دور غوغاء الكوفة في التعاون مع السبئية، وما هي سياسة عثمان رضي الله عنه في مواجهة حرب الشائعات التي كان يُثيرها الخوارج السبئية؟ وما الذي كان يحجبه عن البطش بهم؟ وكيف تمكن السبئية من المسير من الكوفة والبصرة ومصر والتجمع في المدينة وحصار الخليفة عثمان رضي الله عنه على مرأى ومسمع من المسلمين؟ وما موقف الصحابة من ذلك الحصار؟ وكيف تم استشهاد الخليفة عثمان رضي الله عنه؟ ومن المسؤول المباشر عن قتله؟ وما موقف الصحابة من الدفاع عنه؟ ولا سيما علي بن أبي طالب وطلحة والزبير رضي الله عنهم، وما مسوغ عثمان رضي الله عنه في منع الصحابة من الدفاع عنه؟ وما عذر الصحابة في الاستجابة له والكف عن قتال الخوارج؟ وما موقف الصحابة بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه.
وما الأثر الذي تركه استشهاد عثمان في نفوسهم رضي الله عنه؟ وما أخلاق أولئك القتلة؟ وما مصيرهم؟
ثم كيف تمت بيعة علي رضي الله عنه؟ وهل تخلف كبار الصحابة عن بيعته؟ أم أنهم بايعوه ولم يشاركوا في القتال معه؟ ولا سيما سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهم، إذ هم بقية رجال الشورى الذين رشَّحهم عمر رضي الله عنه للخلافة، وما هو موقف علي رضي الله عنه من قتلة عثمان بعد بيعته للخلافة؟ وما موقف طلحة والزبير من ذلك؟
وكيف سارا إلى البصرة؟ وما أهدافهم من ذلك المسير؟ وما الذي دعا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها للمسير إلى البصرة؟ ومن الذي أقنعها بذلك؟ وكيف غادر أمير المؤمنين رضي الله عنه المدينة وسار إلى البصرة، ومن الذين ساروا معه من المدينة؟
وما حقيقة ما حصل في البصرة يوم الجمل؟ وكيف استشهد طلحة والزبير رضي الله عنهما؟ ومن الذي قتلهما؟ وما موقف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من ذلك؟ وما موقف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مما حصل في البصرة يوم الجمل؟ ولماذا لم يستجب الناس لدعوتها لوقف القتال؟ ولماذا استهدفها الخوارج وحاولوا قتلها في ذلك اليوم؟ وما موقف علي رضي الله عنه من أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعد يوم الجمل؟
ما حقيقة النزاع بعد ذلك بين أمير المؤمنين علي وأمير الشام معاوية رضي الله عنهما؟ وما حجة كل منهما فيما اتخذه من مواقف؟
وما حقيقة أخبار موقعة صفين؟ وهل كان هناك حماسة للقتال فيها؟ وكيف استشهد عمار بن ياسر رضي الله عنه في صفين؟
ولماذا رُفعت المصاحف في صفين؟ ومن الذي رفعها؟ وهل كانت خدعة أم حرصًا على دماء المسلمين؟ وكيف كان موقف الطرفين من ذلك؟
وما موقف أمير المؤمنين علي ومعاوية رضي الله عنهما من التحكيم؟ وما مدى كفاءة الحكمين وقدرتهما على التصدي لهذه المهمة؟ وما النتيجة التي توصلا إليها؟ وهل كان هناك احتيال ومكر في إعلان نتيجة التحكيم كما يزعم المبطلون؟ ولماذا ترك أمير المؤمنين قتال أهل الشام ودعا إلى مسالمتهم بعد صفين؟ وقاتل الخوارج ودعا إلى مواجهتهم؟
وما رأى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه في أهل الكوفة؟ وكيف وصف خذلانهم له؟ وهل هناك فرق بين معاناته ومعاناة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من الخوارج؟
ومن ثم كيف استشهد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه؟ ولماذا لم تنجح محاولة اغتيال الصحابيين معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهما وذلك في أكبر مؤامرة تتعرض لها الخلافة الراشدة؟
وما حقيقة العلاقة بين الحسن بن علي رضي الله عنهما ومعاوية رضي الله عنه؟ وكيف صالح الحسن معاوية وبايعه على الخلافة وتنازل له عنها؟ مُنهيًا بذلك صفحة الفتنة، ومُغلقًا باب الخلاف، لتعود الأمة بعد ذلك إلى ما كانت عليه من الوحدة والألفة والمحبة، ولتنصرف إلى ما كانت عليه من شؤون الفتح ونشر الإسلام في بقاع الأرض.
وخُلاصة مقاصد هذا البحث: هو الإجابة عن هذه السلسلة من التساؤلات، وما يتعلق بها من أحداث في العصر الراشدي، وبالوجه الذي ينسجم مع ما جاء في الكتاب والسنة عن الصحابة رضي الله عنهم، وبما أجمع عليه المسلمون من عدالتهم ونزاهتهم وصدقهم، وبما يتوافق مع عظمة إنجازاتهم الحضارية في ذلك العصر، تلك الإنجازات التي تدحض أباطيل مبغضي الصحابة رضي الله عنهم، وتظهر زيف الروايات التي لفقوها عليهم في كثير من كتب التاريخ والأدب وغيرها.
وتأتي أهمية هذا الموضوع من أهمية المرحلة التي يبحث فيها، ومن أهمية الإجابة عن هذه الأسئلة، إذ إن العصر الراشدي هو العصر الذي شهد الفتح والتوسع في كل مجالات الحياة، وشهد تطبيق تعاليم ومبادئ الدين الإسلامي في الواقع الذي تبلورت منه الحضارة الإسلامية.
ولما كان لمرحلة العصر الراشدي كل هذه الأهمية في التاريخ الإسلامي، تعرضت لأوسع وأعمق هجمة شعوبية يهودية صليبية استشراقية علمانية، عملت على إفساد تلك الصورة المشرقة لذلك العصر الخالد، إذ إنهم رأوا في تشويهها تحقيقًا لأهدافهم في تصديع الصف الإسلامي، وتقزيم نتاج الحضارة الإسلامية، وفتح المعابر لتمرير الشبهات والشكوك والمغالطات التاريخية في كل مفاصل وأحداث تلك الحقبة التي قادها الصحابة رضي الله عنهم بكل جدارة وإخلاص، حتى جعلوا من إنجازاتهم المبدعة وتضحياتهم السخية نموذجًا للاقتداء والاتباع والبناء الحضاري المرتكز على فهم العقيدة الإسلامية الصحيحة، ولتجلية الحقيقة وبلورة رؤية صحيحة لما جرى من أحداث داخلية في العصر الراشدي كانت تنم عن سمو الصحابة رضي الله عنهم عن النزوات والأهواء، وتمسكهم بما يقود إلى رضا الله تعالى ضمن ما توصل إليه كل منهم من دليل شرعي اعتقد أن العمل في ظلاله هو المنجى الوحيد من الفتنة.
ولكل هذه الأسباب ولغيرها تم اختيار الكتابة في هذا الموضوع، إذ إن تاريخ الصحابة رضي الله عنهم، وتقديمه على حقيقته نموذجًا رائدًا للإنسانية التائهة الحائرة في هذا العصر، الذي تحكَّم به دعاة الفكر العنصري الإباحي المادي المسقط من حساباته الله والدار الآخرة، والذي يتسابق قادته إلى امتلاك كل وسائل التدمير والخراب وما يبيد الحياة، يظهر ذلك من خلال ما يمتلكه عالم الغرب من أسلحة الدمار الشامل والإصرار على إنتاج أكبر قدر منها، وما يتبع ذلك من الإفساد المتعمد للبيئة والحياة.
واستخدام ذلك السلاح لمحاربة الفضيلة وطمس معالمها وتكميم أفواه دعاتها والمتخلقين بها، والداعين إلى عودة البشرية إلى أخلاق الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وإلى معاني حضارتهم التي ضمنت للبشرية الأمن والسلام والاستقرار، هذه النعم التي يعمل قادة الحضارة المادية العالمية المعاصرة على حرمان المسلمين منها.
ومن هنا فإن تنقية تاريخ الصحابة وإماطة الزيف عنه يُعدُّ مهمة حضارية وحاجة إنسانية وضرورة شرعية.
ومن ضرورات الكتابة في هذا الموضوع ما رأيت وسمعت في بعض الندوات والمحاضرات ولا سيما الجامعية منها، وما قرأت في كثير من الكتب والدراسات من فقدان الإنصاف في مادة التاريخ الإسلامي بشكل عام، والعصر الراشدي بشكل خاص، واستهداف عمالقة السياسة والقيادة والفكر الإسلامي ولا سيما الخليفتين عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وذلك لما أظهرا من حسن السياسة وخدمة وحدة الأمة والرفق بالرعية وجميل قيادتها، ولما حصل في عصريهما من الفتوح والرفاه والسيادة للمسلمين، مما أوغر صدور أعداء الصحابة ودفعهم إلى صناعة الروايات المكذوبة عليهما وإذاعتها بين الناس، وإلصاقها بتاريخنا الإسلامي المشرق ورجاله الأفذاذ، لتشويه سيرة جيل القدوة، وفصل الأمة عن الارتباط بذلك الماضي المجيد، دون تحفظ أو تروٍّ أو مقارنة أو موازنة، مع ما ورد في الكتاب والسنة من نصوص صحيحة صريحة تدحض كل تلك الأباطيل والشبهات، وذلك في تزوير واضح لما كان عليه أبناء ذلك الجيل.
ونظرًا لما يترتب على هذا التزوير في تاريخ الصحابة، المخالف لإنجازاتهم الحضارية والفكرية على واقع الحياة في عصرهم، والهادف إلى حرف الأمة عن الاقتداء بذلك الجيل.
ولمرارة ما يجده الباحث المنصف من عمق الافتراء والبهتان على أولئك الرجال العظام من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ولا سيما في مرحلة الفتنة، مما يوجب التفرغ لدراسة تلك المرحلة، وإظهار حقيقة ما حصل بين الصحابة، والوقوف على مسوغاتهم في كل ما اتخذوه من مواقف، وإن تفاوت الدليل عند كل منهم بين الصحيح والأصح.
ولدرء الشبهات عن تلك المرحلة وتقديم الصورة الحقيقية لها، كان لا بد من الإسهام في الكتابة عنها، والتأكيد على أن الأمة لا يمكن أن تخرج مما هي فيه الآن إلا بالعودة إلى المنهاج الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم، ذلك المنهاج الذي لبى طموحاتها حتى اقترن نجاحها وفلاحها وعزها ونصرها به، واقترن شتاتها وهوانها وتبعيتها للأجنبي بانحرافها عنه، وليس تحقيق ذلك بالأمر السهل، إذ واجهت الباحث كثير من الصعوبات، منها كثرة الروايات المدسوسة والحكايات الموضوعة على الصحابة رضي الله عنهم، والتي لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الأدب والتاريخ، وإن كان أخطر هذه الكتب هو تاريخ محمد بن جرير الطبري، وذلك لعدالة كاتبه وغزارة معلوماته وسعتها، ولجمع الطبري كل ما وقع له وما سمعه من أخبار دون تحقيق أو تدقيق أو تنبيه، وإذا كان مما يشفع له أنه يورد أخبارًا لرواة عدة في المسألة الواحدة، فإنه في أخبار معركة صفين يكاد يعتمد على روايات أبي مخنف لوط بن يحيى، إذ يورد له أكثر من تسعين رواية من حوالي مائة رواية مما يؤدي إلى إرباك كبير للباحث في هذه المرحلة، وذلك لتناقض عامة هذه الروايات مع عدالة الصحابة ودينهم وعقيدتهم.
ولما كان هذا الراوي مبغضًا للصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فإنه لا يتورع عن إلصاق التُّهم بهم مما يزيد في طمس الحقيقة وتشويه ما حصل، كما أن اعتماد الطبري على روايات أبي مخنف في أخبار صفين، وغياب روايات سيف بن عمر مخالف لمنهجية الطبري، الذي غالبًا ما يعتمد على كل ما يقع تحت يديه من روايات في تغطية المسائل الخلافية، مما يبعث على التساؤل عن مدى صحة نسبة أخبار هذه المرحلة إلى الطبري ذاته، وهل هناك أيد خفية عبثت بروايات هذا الكتاب سعيًا وراء تشويه سيرة الصحابة؟ وهل للبويهيين أثر في ذلك؟
ومن الصعوبات أيضًا: اختلاط الحقيقة بالباطل في كثير من الروايات التي تتحدث عن تاريخ العصر الراشدي، مما يوجب على الباحث في تاريخ الصحابة أن يستل الحقائق من تلك الروايات كما تستل الشعرة من العجين، كما كان حسان بن ثابت رضي الله عنه يستل رسول الله ﷺ من قريش عندما كان يهجو مشركيها.
وكذلك هذا المنحى الخطير في منهجية أعداء الصحابة، والذي يعمل على تأصيل العداوة بين المسلمين، لشق الصف وتمزيق الأمة وتنمية الخلاف، والتركيز على روايات الفتن وتهويلها والإضافة إليها، وإثارة النعرات الإقليمية والطائفية حتى يخيل لقارئ التاريخ الإسلامي أن ذلك كان حقائق دائمة.
ومن الصعوبات الأخرى في هذا الموضوع ضرورة تتبع الأدلة التي اعتمدها الصحابة رضي الله عنهم فيما اتخذوه من مواقف، وصعوبة التمييز بينها نظرًا لدقتها وشدة تمسكهم بها.
ومن قواعد المنهج في كتابة هذا الموضوع: الاهتداء بالآيات القرآنية الكريمة، والأحاديث النبوية الشريفة التي شهدت بعدالة الصحابة ونزاهتهم، فقد مثلت هذه القاعدة النور الذي يُهتدى به في كل منعطفات هذه المرحلة، والمرجعية التي يُرد إليها الحكم في كل مسألة أو رواية تطعن أو تنال من الصحابة رضي الله عنهم.
ومن المنهجية أيضًا: النظر في تصور الصحابة للفتنة، ومحاولة إظهار الدليل الذي بنى عليه كل منهم موقفه وبيان عذرهم في ذلك وتتبع الروايات التاريخية والأدبية المتعلقة بهذا الموضوع، وتدوينها وجمعها في بطاقات ثم فرزها وتصنيفها في مواضعها من الفصول والمباحث لتكون بمجملها السيرة الحقيقية لتاريخ الصحابة رضي الله عنهم في تلك المرحلة، ولتمثل بذاتها الردَّ على مفتريات وأباطيل أهل الزيغ من المبتدعة والمرتدين ومن يأخذ عنهم من المستشرقين والعلمانيين، دون الترويج للروايات الباطلة التي صُنعت لصرف المسلمين عن حقيقة وجوهر تاريخ الصحابة، ولإشغالهم بالرد عليها والإسهام بنشرها من خلال ذلك.
مثل الانشغال بالرد على شخصية عبد الله بن سبأ هل هي حقيقة أم خيال؟ والانصراف عن تشخيص الدور التخريبي الهدام الذي قام به بحقد وباطنية، ذلك الدور اليهودي المتكرر في كثير من صفحات التاريخ الإسلامي في المشرق والمغرب والأندلس، والذي يتوجب على كل مسلم أن يَعيَ خطورته، ولا سيما في هذا العصر الذي تمكن فيه اليهود وحلفاؤهم من الغوغاء أن يسقطوا الخلافة الإسلامية، وأن يتحوَّلوا إلى سهم مسدد إلى قلب الأمة الإسلامية يستخدمه كل حاقد أو طامع أو موتور، يسره هوان المسلمين وذلُّهم ويتشفى بقتلهم وإبادتهم وإقصاء عقيدتهم عن واقع الحياة.
وبالتالي فإن من يشكك بما قام به عبد الله بن سبأ في صدر الإسلام، هو كمن يشكك بما يقوم به اليهود في هذا العصر ولا سيما في فلسطين من سلب وقتل وتدمير، فضلًا عن اغتصاب الأرض وتمزيق أواصر الأمة الإسلامية والتحالف مع كل طامع في خيراتها وأراضيها، حاقد على فكرها وعقيدتها.
كما أن التشكيك في شخصية ابن سبأ هو مؤشر على الغل الذي يحمله المشككون على قادة هذه الأمة وبناة حضارتها، وعملهم على تبرئة اليهود والخوارج السبئية من الغدر والنكث وحب الفتنة، ومحاولة إلصاق ذلك بالصحابة الكرام، لهذا فإن الأولوية في هذا الموضوع هي معالجة المسائل المستعصية في مراجعنا التاريخية والأدبية، وغيرها، وتقديم ما حصل من مسائل خلافية من وجهة النظر الواثقة بالصحابة رضي الله عنهم ودينهم وعقيدتهم، والمتشككة بكل أطروحات أعدائهم ومبغضيهم وذلك لتجفيف موارد الشبهات التي يستقي منها الخصوم.
ومما شجع على الكتابة في هذا الموضوع: أن النصوص الصحيحة التي تنتشر في كتب الصحاح والسنن والمسانيد وكتب الصحابة، تُقدم لنا صورة حقيقية لتاريخ الصحابة تنسجم مع ما قدموه من جهاد وعطاء وتضحيات وفكر وثقافة ومنهج حياة سارت عليه الأمة قرونًا عديدة، ظهرت فيها حقيقة مفاهيم الإسلام وتعاليمه التي ضمنت للبشرية كل ما تطمح إليه من أمن وسلام واستقرار، ولبت حاجة الناس إلى الشعور بالمساواة والطمأنينة التي ضمنها عدل الإسلام، بعيدًا عن الشعارات الكاذبة التي يرفعها الغرب في هذا العصر التي لا تهتم إلا بالإنسان الغربي، أو امتداداته الصليبية أو اليهودية أو العلمانية والإلحادية، والتي تعمل بجد على تجريد المسلمين من كل حقوق الإنسان بما في ذلك حق الحياة والأمن، قال تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾[1].
وقد جاء هذا الكتاب في مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، وكل فصل في ثلاثة مباحث.
يمثل الفصل الأول مدخلًا للكتاب أظهر عدالة الصحابة رضي الله عنهم، وأشار إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي تؤكد ذلك، وبيّن حرمتهم وحكم من ينال منهم، وأوضح تصورهم للفتنة، وأشار إلى أخلاق أعدائهم.
وتناول الفصل الثاني نجاة الصحابة من الفتنة بعد وفاة النبي ﷺ، والحوار الذي دار في السقيفة بين المهاجرين والأنصار وحديث: «الأئمة من قريش»، وإجماع الصحابة على بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بمن فيهم علي بن أبي طالب وسعد بن عبادة رضي الله عنهما، والرد على بعض الشبهات التي تثار حول بعض الصحابة والخلفاء الراشدين.
وجاء في الفصل الثالث الحديث عن بدايات الفتنة وأسبابها، ودور ابن سبأ وأثر غوغاء أهل الكوفة ومن تعاون معهم في ذلك، وبيان سياسة الخليفة عثمان في مواجهة الخوارج وإسقاط مسوغاتهم التي تذرعوا بها للخروج عليه، وبيان موقف الصحابة من دخول الخوارج إلى المدينة.
أما الفصل الرابع فقد تحدث عن حصار الخوارج للخليفة عثمان، ثم استشهاده رضي الله عنه، وتاريخ ذلك، ومسوغ الخليفة في منع الصحابة من الدفاع عنه، وعُذر الصحابة في الكف عن قتال الخوارج، ومصير القتلة بعد ذلك.
وتناول الفصل الخامس بيعة الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبيعة أهل المدينة له ولا سيما طلحة والزبير رضي الله عنهما، ثم خروج أمير المؤمنين من المدينة، ومعركة الجمل في البصرة، وموقف عائشة أم المؤمنين من ذلك، واستشهاد طلحة والزبير رضي الله عنهما، واتخاذ أمير المؤمنين علي الكوفة عاصمة لخلافته.
وفي الفصل السادس تمّ الحديث عن بدايات النزاع بين أمير المؤمنين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وولاية قيس بن سعد بن عبادة على مصر، ودور الخوارج في عزله وتولية محمد بن أبي بكر عليها، وخروج أمير المؤمنين إلى صفين، وما تمّ هناك من سفارات بين أهل الكوفة وأهل الشام، ثم أمر القتال في صفين، واستشهاد عمار بن ياسر رضي الله عنه، ورفع المصاحف والتداعي إلى الصلح.
أما الفصل السابع فقد تحدث عن التحكيم ونتائجه، ودحض الشبهات التي ألصقت بالحكمين، وما حصل بعد ذلك بين أمير المؤمنين علي والخوارج في حروراء والنهروان، واستيلاء عمرو بن العاص على مصر ومقتل محمد بن أبي بكر.
ثم المهادنة بين أمير المؤمنين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وضجر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من أهل الكوفة وبعض خطبه التي يذمهم فيها لتقاعسهم عن نصرته وخذلانهم له، والحديث عن الجانب المشرق في العلاقة ما بين أمير المؤمنين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ثم استشهاد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عام 40هـ، وبيعة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالخلافة، ثم صلحه مع معاوية رضي الله عنه وتنازله له عن الخلافة وبيعته لمعاوية، ثم الخاتمة وقائمة المصادر والمراجع.
وفي ختام هذه المقدمة فإن هذا جهد المقل أدَّخره عند الله تعالى لظلمة القبر ويوم الحساب يوم لا ينفع مال ولا بنون، فإن أحسنت فمن توفيق الله وفضله، وإن كانت الأخرى فمن نفسي ومن الشيطان، وحسبي أني أفرغت الوسع وبذلت الجهد، وأستغفر الله تعالى من كل خطأ أو زلل أو شطط، والله من وراء القصد، وحسبي الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
23 ربيع الآخر 1423هـ - تموز 2002م