موضوع لم ينل حظًّا من اهتمامات الباحثين يقوم برصد أحوال مهاجرة الحجاز في عصر النبوة؛ تكوينهم، ومدى أثرهم في تسيير مجرى الأحداث، والعناية بتتبع آثارهم وتضحياتهم في بناء الدولة الإسلامية، مع العناية بمشاركتهم في صنع الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتم
موضوع لم ينل حظًّا من اهتمامات الباحثين يقوم برصد أحوال مهاجرة الحجاز في عصر النبوة؛ تكوينهم، ومدى أثرهم في تسيير مجرى الأحداث، والعناية بتتبع آثارهم وتضحياتهم في بناء الدولة الإسلامية، مع العناية بمشاركتهم في صنع الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية.nوقد شملت هذه الدراسة عامة قبائل الحجاز؛ من حيث بيان المواطن الجغرافية لتلك القبائل قبل الإسلام، وتتبع تاريخهم في عصر صدر الإسلام، ومشاركاتهم في إدارة الدولة، الأمر الذي يجعل هذا الكتاب معجمًا مختصرًا لهذه القبائل.
| الكتاب | |
| الترقيم الدولي ISBN | 978-9960-686-54-7 |
| اللغة | العربية |
| التجليد | كرتوني |
| نوع الورق | شمواة ياباني |
| عدد الصفحات | 350 |
| المقاس | 17 × 24 سم |
| عدد المجلدات | 1 |
| الوزن | 900 جم |
| رقم الطبعة | 1 |
| سنة الطبع | 2013 |
مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا.
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ ، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .
أما بعد: فإن هذه الرسالة تتناول موضوعًا من مواضيع عصر الرسالة لم ينل حقه من العناية، على الرغم من أن ذلك العصر نال من العناية والاهتمام الشيء الكثير حتى أصبحت الكتب والدراسات التي تتحدث عن ذلك العصر - تملأ رفوف المكتبة العربية والإسلامية، وبكثير من لغات العالم، إلا أن أكثر تلك الدراسات ركزت على شخص الرسول ﷺ وشمائله ومزاياه الشريفة، وعلى الجوانب السياسية والعسكرية التي شهدها ذلك العصر، ومن ثم تتناول تلك البحوث دراسة أحوال المهاجرين والأنصار في ميادين الحياة كافة.
إلا أن تلك الدراسات أغفلت هذا الموضوع ولم تدرسه بهذا الشمول والعمق؛ مما أدى إلى أن يقصر الناس فهمهم على المهاجرين من أهل مكة من قريش. ولا شك أن غالبية المهاجرين هم الذين أخرجوا من مكة من قريش وحلفائهم وذلك لارتباط هؤلاء بالإسلام منذ اليوم الذي بعث فيه الرسول ﷺ ولما لهم من أثر رائد في بناء دولة الإسلام في عصر الرسالة، هيمن على اهتمام الباحثين، سوى ما كان للأنصار الذين لا تقل آثارهم عن آثار مهاجرة قريش.
إن عظمة آثار هذين الحيين – قريش والأنصار – غطت على أثر مهاجرة الحجاز الذين لو جمعهم مصر واحد أو قبيلة واحدة لضاهت آثارهم آثار إخوانهم من مهاجرة قريش والأنصار، ولكن نظرًا لتشتت هؤلاء في مواطن متعددة وقبائل مختلفة، واتصالهم بالإسلام على شكل مجموعات أو أفراد لم تجلب اهتمام الباحثين إلى آثارهم وإظهارها بدراسات معمقة وشاملة، فضاعت مساهماتهم في خضم مساهمات السابقين من المهاجرين والأنصار.
إن الكثير من أبناء القبائل الحجازية ينسب إلى مهاجرة قريش أو الأنصار، ولهذا لم أجد اهتمامًا لا سيما في الدراسات الحديثة، بهذه المجاميع التي هاجرت إلى المدينة وساهمت في بناء الدولة في عصر الرسول ﷺ، ومن ثم تعاظم عطاؤهم وزادت أعدادهم حتى امتازوا عن إخوانهم المهاجرين القرشيين والأنصار ببعض الأمور؛ إذ قاموا بأعبائها وسد ثغراتها، ومن تلك الأعمال هيمنتهم على أعمال الدلالة والرصد والاستطلاع يساعدهم في ذلك خبراتهم السابقة قبل الإسلام في معرفة المسالك والطرق، ومما يزيد من سعة خبراتهم تلك كونهم من قبائل منتشرة في كل أرجاء الحجاز.
إن هذه الرسالة توضح ما امتاز به مهاجرة الحجاز في عصر الرسالة، إذ لم ينلهم ما نال إخوانهم من مهاجرة قريش والأنصار من العناية في تتبع آثارهم وتضحياتهم الجسيمة في ذلك العصر، وهذا ما كان دافعًا ومحرضًا لي على الكتابة في هذا الموضوع، والذي يستحق كل عناية وتقدير؛ لما لهؤلاء القوم من آثار محمودة تشهد بأن هناك رجالًا ساهموا في بناء الدولة في عصر الرسول ﷺ مع مهاجرة قريش والأنصار.
شملت هذه الدراسة عامة قبائل الحجاز ولم ندخل فيها بحث قريش، وذلك للفارق الكبير بين تكوين هذه القبيلة؛ عاداتها وقيمها وحضريتها، وبين القبائل الحجازية، فضلًا عن سعة آثارها وعمقها وشمولها، وعما نال مهاجرة قريش من العناية والاهتمام بتاريخهم على الصُّعُد كافة. وتأتي أهمية دراسة مهاجرة الحجاز هذه؛ لكونها شملت عددًا واسعًا من القبائل العربية التي بلغت ست عشرة قبيلة، أشهر القبائل العربية التي كان يفرض عليها موقعها الجغرافي الاحتكاك بالمسلمين ومحالفتهم أو الانضمام إلى قريش ومساندتها على حرب الإسلام، وكلا الأمرين يترك آثارًا واسعة على العلاقة فيما بين المسلمين وهذه القبائل، مما يعطي بحث تلك العلاقات أهمية بالغة؛ إذ إنها تعمق دراسة المراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية في عصر الرسول ﷺ، وتظهر تفاعل قبائل العرب في الحجاز مع الإسلام ودولته؛ إذ انقسم كثير من هذه القبائل على أنفسهم بين مؤيد لهذا الدين ومعارض له، وهذه الدراسة تتابع هذه التفاصيل وتسجل للمؤمنين من هذه القبائل سعيهم المشكور في نصرة الإسلام ورسوله ﷺ منذ يوم الهجرة.
ومثلما تناولت هذه الدراسة هذا الكم من القبائل الحجازية ونظمتها في موضوع واحد مترابط، ورصدت كل ما لهذه القبائل من مواقف في عصر الرسالة، تناولت أيضًا مواطن هذه القبائل وتوزعها على جغرافية الحجاز وبيان قربها وبعدها عن مكة أو المدينة، وما يترتب على ذلك من أهمية موقعها أو عدمه عسكريًّا واقتصاديًّا.
فقد تناولت هذه الدراسة بالتفصيل منازل كل قبيلة قبل الإسلام، وبيان ما لكل منها من قرى ومياه وجبال وأودية وهضاب، ومن ثم ذكر منازلها في المدينة بعد الهجرة إليها، مما ييسر على القارئ معرفة هذه المواطن، وكم تبعد عن المدينة، علمًا أن معرفة هذه المواطن تعد ضرورة لمن يريد فهم السيرة النبوية، وتفاعل القبائل العربية في مواقفها من الإسلام.
إن موقعة بدر التي وقعت عند ماء بدر الذي تشترك في ملكيته قبيلتا جهينة وغفار - تظهر أهمية هذا الموقع وأهمية هاتين القبيلتين في تلك المرحلة، وهذا ينطبق على بقية المواقع؛ مثل: وَدَّان، وبُوَاط، وذو العشيرة، وعُسفان، والكُديد، والرَّجيع، وبئر معونة، والمُرَيْسِيع، والحديبية، وغيرها من المواقع التي لا غنى لدارس عصر الرسالة والسيرة النبوية عن معرفتها وتحديد مواضعها ومعرفة سكانها، وهذا ما يزيد من أهمية هذا الموضوع وضرورة دراسته، لا سيما وأنه - كما أسلفنا - لم يدرس من قبل على هذا النحو، فهو بناء قائم بذاته سيكون مرجعًا معتمدًا لمن يريد الاستزادة والتفصيل أكثر في دراسته، ولم تكن دراسة هذا الموضوع ميسورة أو سهلة شأنه شأن أي دراسة علمية تطرق موضوعًا جديدًا.
فمن بعض الصعوبات التي واجهت هذه الدراسة تحديد جغرافية الحجاز في مرحلة عصر الرسول ﷺ في رسالته، ومعرفة القبائل الحجازية آنذاك، علمًا أن الجغرافيين القدامى غير متفقين على حدود الحجاز وامتداداته الجغرافية، وكذلك القبائل التي تستوطنه فهي الأخرى متداخلة؛ إذ إن البعض منها يمتد على أطراف الحجاز ونجد أو الحجاز وتهامة وهكذا، فضلًا عن عدم استقرار أكثر القبائل العربية آنذاك، وهذا ما زاد من الصعوبات التي واجهت الباحث في تحديد ديار كل قبيلة من هذه القبائل، وكذلك الأمر في أنساب بعض القبائل وتحالفاتها.
ومن العقبات الأخرى عدم إمكانية اعتماد الفهارس الأخرى الموجودة في كتب التراجم؛ إذ يوجب هذا البحث أن ينسب كل علَم من مهاجرة الحجاز إلى قبيلته، وهذا غير متيسر في فهارس التراجم؛ إذ إنها لم تنسب أكثر هؤلاء إلى قبائلهم، بل اكتفت بالاسم أو الكنية فقط، ولمعرفة أي علم منهم لم يُنسب إلى قبيلته كان على الباحث أن يقرأ الباب الذي فيه ذلك الاسم حتى ينسبه إلى قبيلته، وهذا ينطبق على جميع هذه القبائل. فلمعرفة مهاجرة القبائل الحجازية في كتاب أُسد الغابة مثلًا والذي تزيد تراجمه على سبعة آلاف ترجمة، كان على الباحث أن يطلع على كل هذه التراجم؛ لكي يستخرج منها أبناء القبائل الحجازية.
ومن العقبات الأخرى عدم توفر دراسات حديثة لمهاجرة الحجاز لإغناء هذه الدراسة، وللاطلاع على وجهة نظر أخرى، وإن أقرب دراسة إلى موضوع هذه الرسالة هو كتاب الدكتور صالح أحمد العلي الحجاز في صدر الإسلام إلا أن ما يقدمه هذا الكتاب من معلومات تصب في خدمة هدف المؤلف، المتمثل في دراسة أحوال هذا الإقليم العمرانية والإدارية. وهذا ما أوجب على الباحث التوجه إلى الكتب القديمة يستخرج منها ما فيها من مادة مشتتة ضمن تاريخ أحداث عصر الرسالة، واللجوء إلى الاستنتاج والقياس والمقارنة لإتمام بعض المعلومات.
وقد اشتملت هذه الدراسة على ستة فصول وخاتمة:
تناول الفصل الأول:
تعريف الحجاز وحدوده وسكانه ثم القبائل الحجازية وبيان أنسابها ومنازلها، وما لكل قبيلة من قرى ومياه وجبال وأودية وغير ذلك من مواطن.
وفي هذا الفصل أيضًا تم تعريف الهجرة في اللغة والاصطلاح، وبيان التطور الزمني لمفهوم الهجرة والتزاماته. وختمت هذا الفصل بذكر منازل المهاجرين من القبائل الحجازية في المدينة المنورة وتحديد مواقعها.
أما الفصل الثاني:
فقد خصص لاتصال هذه القبائل بالرسول ﷺ وبالإسلام وبيان أثرها في العلاقات السياسية الداخلية والخارجية، وذكر ما جاء في ذلك من كتب أو وثائق للقبائل الحجازية أو لأعلام منها حتى صلح الحديبية، وتحدثت في هذا الفصل عن السفارات النبوية، وأثر مهاجرة الحجاز فيها، وقدمت قائمة بأسماء من عمل في هذا المجال.
وفي الفصل الثالث:
تحدثت عن العلاقات الاجتماعية والاقتصادية لمهاجرة الحجاز مع المسلمين في المدينة، وعن المؤاخاة وآثارها الاجتماعية والاقتصادية على أبناء القبائل الحجازية، وقدمت قائمة بأسماء أبناء هذه القبائل ومن آخوهم من قريش والأنصار، ثم فصلت القول في الصُّفَّة وآثارها الاجتماعية والاقتصادية على مهاجرة الحجاز، وأوردت قائمة بأسماء أهل الصفة من أبناء القبائل الحجازية، وأشرت إلى العلاقة التي تربطهم برسول الله ﷺ ورعايته الخاصة لهم. وأوضح هذا الفصل أيضًا ما كان للزيجات وأثرها على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، وأوردت ما توفر من شواهد عن زيجات مهاجرة قريش والأنصار مع مهاجرة الحجاز.
وفي الفصل الرابع:
بحثت أثر مهاجرة الحجاز العسكري ومساهمتهم في الرصد والاستطلاع وجمع المعلومات وأعمال الدلالة، وتبينت آثارهم في الغزوات التي قادها الرسول ﷺ وأثرهم ومشاركاتهم في السرايا، ومن ثم في قيادة السرايا وتنفيذ المهام الفدائية في عمق أراضي المشركين؛ مما زاد من هيبة المسلمين ورهبتهم في قلوب المشركين، قال تعالى﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُون﴾ .
أما الفصل الخامس:
فقد تناول الحديث عن مساهمات مهاجرة الحجاز في الإدارة في عهد الرسول ﷺ، وعلى الرغم من عدم وضوح هذا الجانب في ذلك العصر، إلا أن هناك الكثير من الأعمال التي لا يمكن توضيحها إلا ضمن هذا الفصل، ومن ذلك استخلاف الرسول ﷺ عددًا من رجال مهاجرة القبائل على المدينة المنورة في حال غيابه عنها، وفي هذا الفصل حاولنا بيان القاعدة التي اعتمدها الرسول ﷺ في اختيار من يستخلفه على المدينة، ومن ثم ذكر عمال الصدقات في عهد الرسول ﷺ، وتقديم قائمة بأسمائهم.
وفي الفصل السادس:
تحدثت عن الأثر الفكري لمهاجرة الحجاز، وبينت آثارهم في علوم القرآن والحديث والفقه، وهي علوم كانت في طور نشأتها؛ لذلك كانت مساهماتهم في هذا الجانب قليلة.
إلا أنهم في الشعر كان لديهم رصيد واسع من الشعراء الذين يجيدون نظم الشعر في كل المناسبات، وقد عرَّفت عشرة شعراء من أبناء القبائل الحجازية؛ ليكونوا شواهد على قدرات هذه القبائل الشعرية، كما أوردت قائمة بأسماء رواة الحديث منهم اشتملت على أكثر من مائة وسبعين راويًا.
إن دراسة تكوين مهاجرة الحجاز، وآثارهم في عهد الرسول ﷺ - تتطلب الاعتماد على الكثير من المصادر المختلفة؛ لذا لم تقتصر هذه الرسالة على المصادر التاريخية، بل إنها اعتمدت في الدرجة الأولى على كتب السير والمغازي وكتب التراجم وكتب الحديث، فضلًا عن كتب الجغرافية والأنساب وكتب الشعر.
وما دامت الدراسة التحليلية للمصادر إنما توضع للتعريف بالكتب والمؤلفين المجهولين، أو التعريف بالكتب المخطوطة أو غيرها، مما هو غير معروف وغريب على مسامع الباحثين، وحيث إني اعتمدت في دراستي هذه كتب المشاهير من علماء المسلمين؛ من مؤرخين ومحدثين وغيرهم، فلا أرى أن هناك حاجة للتعريف بها أو بمناهج مؤلفيها ما دام ذلك لا يأتي بجديد. إلا أنه لا بد من التعريف بأهم المصادر والمراجع التي استندت إليها هذه الرسالة.
ذكر المصادر والمراجع: اعتمدت في بحثي هذا على مجموعة من المصادر والمراجع شكلت الأساس الذي قامت عليه هذه الدراسة؛ ونظرًا لكثرتها وتنوع مادتها، قسمتها إلى مجاميع وعرفت بأشهرها وأكثرها حضورًا في هذه الدراسة:
أولًا: كتب المغازي والسير:
إن أهم كتب المغازي التي اعتمدتها في هذه الدراسة كتاب المغازي للواقدي المتوفى 207هـ/ 822م وذلك لأمور عدة؛ منها: تطبيقه المنهج العلمي وتمسكه به في أكثر رواياته التي أوردها في المغازي؛ إذ كان يرتب التفاصيل المختلفة بطريقة لا تكاد تتغير، فهو مثلًا يبدأ مغازيه بذكر قائمة الرجال الذين نقل أو روى عنهم، ثم يذكر الغزوات مفصلة مع تاريخ محدد لكل غزوة، ويذكر تفاصيل جغرافية عن موقع كل غزوة، ويذكر من استخلفه الرسول ﷺ على المدينة، ويذكر شعار المسلمين في القتال، ويذكر ما نزل من القرآن في نهاية أكثر الغزوات، ويذكر اسم قائد الغزوة، وعدد من شهدها، وأسماء من استشهد فيها، وأسماء قبائلهم. ومما امتاز به الواقدي عن غيره من المصادر الإسهاب في التفاصيل ومتابعة تغطية أخبار الحدث في أكثر رواياته بدقة وعناية كبيرة لا سيما ما يتعلق بالجانب العسكري.
كل هذه الأمور جعلتني أعتمده أكثر مما سواه في هذا الجانب، بل إنني لا أرى من المغالاة القول بأن مغازي الواقدي تعد أوسع مصدر أرخ للجهاد والنشاط العسكري في عصر الرسالة، وإذا كان هناك ملاحظات على كتاب المغازي، مثل خلافه لأكثر المؤرخين عن بداية تاريخ غزوات الرسول ﷺ، فإنها لا تعد ذات أهمية قياسًا بما يقدم من تفاصيل وأخبار عن كل غزوة أو سرية يتناولها في كتابه.
ومن كتب السيرة التي استندت إليها هذه الدراسة كتاب: السيرة النبوية لابن هشام المتوفى 213هـ/ 828م لا سيما في حديث الهجرة والمؤاخاة والمسجد والصحيفة، واهتمامه بالكتابة عما له علاقة بأخبار اليهود في المدينة، فضلًا عن التأريخ للغزوات والسرايا والمشاركين فيها، وعدد من استشهد في كل منها، وإيراده الشواهد القرآنية ونقده لأخبار السيرة وتفسيره لغريب اللغة واهتمامه بالشواهد الشعرية، وما قيل من شعر في الغزوات أو السرايا.
ثانيًا: كتب التراجم:
ويأتي في مقدمتها كتاب الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد المتوفى 230هـ/ 845م. وأهمية هذا الكتاب تأتي من كونه أقدم كتاب في موضوع التراجم والرجال بين أيدينا؛ ولهذا كان اعتمادي عليه أساسًا في بعض الفصول لا سيما في العلاقات بين المسلمين في المدينة والقبائل الحجازية، وما حصل عليه أبناء القبائل من كتب من رسول الله ﷺ وما عقدوا من معاهدات، وكذلك الوفود التي قدمت إلى المدينة إذ تابع ابن سعد تفاصيل مهامها وما دار فيها من حوار مع الرسول ﷺ فضلًا عن تكوينها وعدد أفرادها.
وأفرد ابن سعد بابًا لأهل الصفة مما يشير إلى اهتمامه بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي سادت فيما بين المسلمين في عصر الرسالة وما تلاه، وأفرد ابن سعد مجلدًا تامًّا لطبقات النساء الصحابيات مما يشير إلى اهتمامه بقضايا المرأة، والكتابة عنها بما يجعلنا على علم بما قامت به المرأة في عصر الرسالة، وبما لها من مساهمات ومكانة في المجتمع آنذاك.
أما في الجانب العسكري فلا يقل اهتمام ابن سعد عن اهتمام شيخه الواقدي في التغطية لأخبار الغزوات والسرايا وبشكل مفصل دون إسهاب، وقد أفدت من كل ما أورده ابن سعد في الجانب العسكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي فضلًا عن التراجم. ومن كتب الطبقات الأخرى طبقات خليفة بن خياط المتوفى 240هـ/ 854م إذ شكل المحور الأساس في تحديد قائمة رواة الحديث من مهاجرة الحجاز.
ثالثًا: كتب الحديث:
واستندت هذه الدراسة أيضًا على كتب الحديث لا سيما في تخريج الحديث عن الغزوات والسرايا وترجيح الأخبار التي تؤيدها كتب الصحاح ولا سيما صحيح البخاري المتوفى 256هـ/ 869م، وقد اعتمدنا فيه على عمدة القاري في شرح صحيح البخاري، لبدر الدين العيني، وكذلك صحيح مسلم المتوفى 262هـ/ 875 م بشرح النووي المتوفى 676هـ فضلًا عن كتب السنة مثل سنن الترمذي وأبي داود المتوفى 275هـ.
رابعًا: كتب التاريخ العام:
ومنها كتب خليفة بن خياط في التاريخ، إذ احتوت على الكثير من المعلومات التي تفيد في الجانب الإداري ومن استخلفه الرسول ﷺ على المدينة، ومن استعمله على الصدقات بالرغم من إيجازه واختصاره الشديد. ومن كتب التاريخ الأخرى تاريخ الرسل والملوك لابن جرير الطبري المتوفى 310هـ/921م إذ انتفعنا بالجزأين الثاني والثالث منه، وجاءت بعض الشواهد في هذه الرسالة من كتاب ابن الأثير المتوفى 630هـ/ 1233م الكامل في التاريخ.
خامسًا: كتب تاريخ المدن:
وفي مقدمتها تاريخ المدينة المنورة لعمر بن شبة المتوفى 262هـ/ 874م حيث اعتمدناه في تحديد منازل القبائل الحجازية المهاجرة داخل المدينة المنورة، وبيان خطط كل قبيلة منها وحدود تلك الخطط وما اشتملت عليه من أزقة أو علامات مميزة أخرى، ومن تجاور من قبائل، وما في كل خطة من مساجد أو آبار أو جبال وأودية، وما إلى ذلك من وصف جغرافي، وقد أشار ابن شبة إلى ما آل إليه حال الكثير من منازل تلك القبائل من بيع أو وقف أو غيرها.. وكتاب السمهودي المتوفى 911هـ/1506م وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى حيث اعتمد على ما أورده ابن شبة عن منازل القبائل الحجازية، وأضاف إليها وشرح بعض غوامضها فضلًا عما أورده من معلومات جغرافية واسعة وشاملة ودقيقة؛ إذ كان يقوم بقياس بعض المسافات بنفسه ثم يدونها، ويقارن بينها وبين ما لديه من روايات أخرى، مما يشكل دراسة ميدانية لتلك المواقع. وتأتي أهمية السمهودي من نقله المفصل أيضًا عن كتب مفقودة أبرزها كتاب ابن زبالة.
سادسًا: كتب الأنساب:
ومن كتب النسب كتاب جمهرة النسب لأبي المنذر هشام الكلبي المتوفى 204هـ، والذي يعد أشهر كتاب بعلم الأنساب ثم كتاب جمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسي المتوفى 456هـ، والذي اعتمد أساسًا على كتاب ابن الكلبي.
سابعًا: المعاجم الجغرافية:
يأتي في مقدمة هذه الكتب كتاب عرام بن الأصبغ السلمي أسماء جبال تهامة وسكانها وما فيها من القرى، وما ينبت عليها من الأشجار وما فيها من المياه، ثم كتاب البكري معجم ما استعجم من أسماء البقاع والمواضع. إلا أن كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي المتوفى 626هـ له أهمية بالغة؛ لكونه فصل في أخبار الأماكن والبقاع وأكثر من الشواهد الشعرية والتاريخية مما جعل فائدته تتجاوز الجانب الجغرافي، إلا أن هذا التوسع في المعلومات كان داعيًا لابن عبد الحق البغدادي المتوفى 739هـ لاختصاره في كتاب سماه مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، وهذا الكتاب وإن جاء ملبيًا للإيجاز والاختصار، إلا أنه يحرم من يريد التوسع والزيادة في معرفة تلك الأماكن والبقاع. ومن الكتب التي يمكن إضافتها إلى هذا الباب كتاب الاشتقاق لابن دريد المتوفى 321هـ، وذلك لإيجازه ووضوحه واهتمامه بالجانب التاريخي وما يتعلق باشتقاق أسماء القبائل وأعلامها ومنازلها.
ثامنًا: كتب اللغة والأدب:
أفدت من كتاب ابن منظور المتوفى 711هـ/ 1311م لسان العرب، والقاموس المحيط للفيروز آبادي المتوفى 817هـ / 1414م وكذلك مختار الصحاح للرازي الذي عاش في القرن السابع الهجري. ومن كتب الشعر التي أفدت منها كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة الدينوري المتوفى 270هـ، وذلك فيما يتعلق بشعر وشعراء القبائل الحجازية.
تاسعًا: المراجع الحديثة:
اطلعت على مجموعة كبيرة من المراجع الحديثة والمقالات والبحوث والرسائل الجامعية، لا سيما فيما يتعلق منها بتاريخ عصر الرسالة والقرن الأول الهجري.
إلا أن الاستفادة منها كانت محدودة وذلك لعدم عثوري على بحث يولي اهتمامًا خاصًّا بمهاجرة الحجاز، أستثني من ذلك كتابي الأستاذ الدكتور صالح أحمد العلي الدولة في عهد الرسول ﷺ 1988م، الذي استفدت منه فيما يتعلق بصلة القبائل الحجازية بالإسلام، وكتاب الحجاز في صدر الإسلام الذي استفدت منه في الفصل الأول وذلك فيما يتعلق بجغرافية الحجاز وحدوده.