سلة المشتريات

الأحكام الفقهية للتمويل برأس المال الجرئ

الأحكام الفقهية للتمويل برأس المال الجرئ
جديد
الأحكام الفقهية للتمويل برأس المال الجرئ
* السعر لا يشمل الضربية.
  • المؤلف: د. يزيد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الفياض
45.00 ريال

تناوَل البحثُ بالدرسِ نازلةً ذات أسلوبٍ تمويليٍّ حديث لم يَصِلْ إلى العالَم الإسلامي إلَّا مؤخَّرًا، وإن كان قد ظهر منتصفَ القرن الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية ثم انتقل إلى أوروبا، وهذا الأسلوب التمويلي قد قامتْ عليه عددٌ مِن كبرى الشركات العالمية؛ أمثال (مايكروسوفت )  و(آبل ) و(موقع هوت ميل ) و(فيس بوك ) وغيرها.

وتمتازُ المشاريع المموَّلةُ برأسِ مالٍ جريءٍ غالبًا– بسُرعة النموِّ، وتحقيقها الأرباحَ العالية مقارنةً بغيرها، مع اشتمالها كذلك على مخاطر عالية.

وامتاز هذا البحثُ بأنَّه مليءٌ بالمسائل الفقهية، والضابطُ في المسائل المضمَّنة فيه: ما كان منها متعلِّقًا بالتمويل برأس المال الجريء. فحَصَر الباحثُ صورَ التمويل، ومسائلَه، وشروطَه، وردَّها إلى أصولها، ثم بيَّن الخلافَ بين المذاهب الأربعةِ فيها، ذاكرًا أدلَّة كلٍّ، مع ترجيحِ الباحثِ ما يراه الأقربَ إلى الصواب؛ ليكون هذا الكتابُ مرجعًا فقهيًّا لجهاتِ التمويل والباحثين في مسائل هذه الصناعة التمويلية.
الكتاب
الترقيم الدولي ISBN978-603-8181-67-6
اللغةالعربية
التجليدكرتوني
نوع الورقشمواة ياباني
عدد الصفحات619
المقاس17 × 24 سم
عدد المجلدات1
الوزن850 جم
رقم الطبعة1
سنة الطبع2021
المقدمة7
أهمية الموضوع10
صعوبات البحث11
ما أجريت على الرسالة بعد المناقشة12
تمهيد17
الفصل الأول: تعريف التمويل برأس المال الجريء19
المبحث الأول: تعريف التمويل برأس المال الجريء باعتباره مركبًا21
المطلب الأول: تعريف التمويل21
المطلب الثاني: تعريف رأس المال24
المطلب الثالث: تعريف الجريء25
المبحث الثاني: تعريف التمويل برأس المال الجريء باعتباره لقبًا33
الفصل الثاني: أركان التمويل برأس المال الجريء37
المبحث الأول: المموِّل39
المطلب الأول: تعريفه39
المطلب الثاني: أنواع المموِّلين40
المسألة الأولى: أنواعهم بالنظر إلى الهيكل40
المسألة الثانية: أنواع الممولين بالنظر إلى الاستقلال والتبعية43
المطلب الثالث: دور المموِّل44
المسألة الأولى: دور شركة رأس المال الجريء44
المسألة الثانية: دور صندوق رأس المال الجريء45
الفرع الأول: دور مدير الصندوق 45
الفرع الثاني: دور المستثمر46
المبحث الثاني: المتموِّل53
المطلب الأول: تعريفه53
المطلب الثاني: دوره56
المبحث الثالث: المال59
المطلب الأول: تعريفه59
المطلب الثاني: إجراءات تقديم المال في التمويل برأس المال الجريء62
المبحث الرابع: المشروع63
المطلب الأول: تعريفه63
المطلب الثاني: أوصافه64
المبحث الخامس: الصيغة69
المطلب الأول: تعريف الصيغة69
المطلب الثاني: إجراءات التعاقد بين المموِّل والمتموِّل70
الفصل الثالث: نشأة التمويل برأس المال الجريء73
الفصل الرابع: خصائص التمويل برأس المال الجريء والفرق بينه وبين مصادر التمويل 
                          الأخرى81
المبحث الأول: خصائص التمويل برأس المال الجريء83
المبحث الثاني: الفرق بين التمويل برأس المال الجريء وبين مصادر التمويل 
                               الأخرى87
المطلب الأول: الفرق بين التمويل برأس المال الجريء والتمويل بالقرض87
المسألة الأولى: تعريف القرض87
المسألة الثانية: العلاقة بين التمويل برأس المال الجريء والتمويل 
                                  بالقرض88
المطلب الثاني: الفرق بين التمويل برأس المال الجريء والتمويل بالتورق93
المسألة الأولى: تعريف التورق93
المسألة الثانية: العلاقة بين التمويل برأس المال الجريء والتمويل بالتورق  96
المطلب الثالث: الفرق بين التمويل برأس المال الجريء والتمويل بالمضاربة97
المسألة الأولى: تعريف المضاربة97
المسألة الثانية: العلاقة بين التمويل برأس المال الجريء والتمويل
                                  بالمضاربة99
المطلب الرابع: الفرق بين التمويل برأس المال الجريء وتمويل الأطروحات
                            الخاصة100
المسألة الأولى: تعريف الأطروحات الخاصة100
الفرع الأول: تعريفها باعتبارها مركبًا100
الفرع الثاني: تعريفها باعتبارها لقبًا 102
المسألة الثانية: العلاقة بين التمويل برأس المال الجريء وتمويل
                                  الأطروحات الخاصة105
الفصل الخامس: أهمية التمويل برأس المال الجريء107
الفصل السادس: عوامل نجاح التمويل برأس المال الجريء113
الباب الأول: التوصيف الفقهي للتمويل برأس المال الجريء119
تمهيد121
الفصل الأول: التوصيف الفقهي للعلاقة بين الممول والمتمول123
المبحث الأول: المشاركة الخالصة125
المطلب الأول: شركة العنان125
المسألة الأولى: تعريفها125
المسألة الثانية: حكمها127
المطلب الثاني: شركة المضاربة128
المسألة الأولى: تعريفها128
المسألة الثانية: حكمها129
المسألة الثالثة: صورها132
المطلب الثالث: أحوال المشروع الممول138
المسألة الأولى: أن يكون المشروع فكرة138
المسألة الثانية: أن يكون المشروع منتجًا140
المسألة الثالثة: أن يكون المشروع تجارة قائمة142
المطلب الرابع: عقد التمويل من حيث الجواز واللزوم150
المطلب الخامس: شروط العاقدين164
المطلب السادس: شروط المعقود عليه165
المسألة الأولى: شروط المشروع المموَّل165
المسألة الثانية: شروط رأس المال172
الشرط الأول: أن يكون رأس المال من الأثمان والنقود172
الشرط الثاني: أن يكون رأس المال معلومًا184
الشرط الثالث: أن يكون رأس المال عينًا189
الشرط الرابع: تسليم رأس المال إلى المتمول198
المطلب السابع: شروط الصيغة204
المبحث الثاني: اجتماع عقد مع المشاركة207
المطلب الأول: تأصيل اجتماع المشاركة مع عقود أخرى207
المسألة الأولى: اجتماع عقد مع عقد المشاركة208
الفرع الأول: اجتماع عقد معاوضة مع عقد المشاركة208
الفرع الثاني: اجتماع عقد قرض مع عقد المشاركة211
الفرع الثالث: اجتماع عقد تبرع مع عقد المشاركة213
المسألة الثانية: اشتراط عقد مع عقد المشاركة214
الفرع الأول: اشتراط عقد معاوضة مع عقد المشاركة214
الفرع الثاني: اشتراط عقد قرض مع عقد المشاركة219
الفرع الثالث: اشتراط عقد تبرع مع عقد المشاركة223
المطلب الثاني: صور اجتماع المشاركة مع عقود أخرى226
المسألة الأولى: اجتماع مشاركة وقرض226
المسألة الثانية: اجتماع مشاركة وبيع227
المسألة الثالثة: اجتماع مشاركة وإجارة231
المسألة الرابعة: المشاركة المنتهية بالتمليك233
الفصل الثاني: التوصيف الفقهي لصناديق الاستثمار برأس المال الجريء241
المبحث الأول: تعريف صناديق الاستثمار243
المبحث الثاني: خصائصها247
المبحث الثالث: إجراءات عملها257
المطلب الأول: إجراءات تأسيس الصندوق والطرح للمستثمرين257
المطلب الثاني: إجراءات تقديم المال من المستثمر للصندوق258
المطلب الثالث: إجراءات التعاقد بين المستثمر ومدير الصندوق259
المطلب الرابع: إجراءات الصندوق بعد الإغلاق261
المبحث الرابع: التوصيف الفقهي لصناديق الاستثمار265
المطلب الأول: علاقة المستثمرين فيما بينهم265
المطلب الثاني: العلاقة بين المستثمرين ومدير الصندوق266
المسألة الأولى: الوكالة266
الفرع الأول: تعريف الوكالة266
الفرع الثاني: حكم الوكالة267
المسألة الثانية: الإجارة270
الفرع الأول: تعريف الإجارة270
الفرع الثاني: حكمها273
المسألة الثالثة: الجعالة275
الفرع الأول: تعريف الجعالة275
الفرع الثاني: حكمها276
الفرع الثالث: الفرق بين الإجارة والجعالة279
التوصيف الفقهي للعلاقة بين مدير الصندوق والمستثمرين282
الصورة الأولى 282
الصورة الثانية283
المسألة الرابعة: رسوم الإصدار290
الفرع الأول: صورتها290
الفرع الثاني: حكمها290
المطلب الثالث: حكم مساهمة مدير الصندوق فيه292
المطلب الرابع: تعاقد مدير الصندوق مع مدير من الباطن301
المسألة الأولى: حكمه301
المسألة الثانية: شروط المدير من الباطن306
المطلب الخامس: بيع المدير وشراؤه من صناديق يديرها306
الفصل الثالث: الغرر في التمويل برأس المال الجريء313
المبحث الأول: تعريف الغرر315
المطلب الأول: تعريفه في اللغة315
المطلب الثاني: تعريفه في اصطلاح الفقهاء316
المبحث الثاني: الغرر في المشاركات321
المطلب الأول: تأصيل الغرر في المشاركات321
المطلب الثاني: الغرر في التمويل برأس المال الجريء324
الباب الثاني: بداية التمويل برأس المال الجريء327
الفصل الأول: الوساطة في التمويل برأس المال الجريء329
المبحث الأول: تعريفها331
المبحث الثاني: توصيفها الفقهي335
المبحث الثالث: حكمها337
الفصل الثاني: التحوط في التمويل برأس المال الجريء345
المبحث الأول: تعريف التحوط347
المبحث الثاني: أدوات التحوط في التمويل برأس المال الجريء351
توطئة351
المطلب الأول: التحوط الاقتصادي352
المطلب الثاني: التحوط التعاوني359
المطلب الثالث: التحوط التعاقدي363
المسألة الأولى: أدوات إدارية مالية371
المسألة الثانية: أدوات لتقييد تصرفات الشركاء374
المسألة الثالثة: أدوات مالية محضة389
الفرع الأول: تفضيل أحد الشركاء ماليًّا389
الفرع الثاني: تحول الأسهم الممتازة إلى عادية414
الفرع الثالث: تحول الأسهم العادية إلى ممتازة.415
الفرع الرابع: تحول الأسهم إلى سندات416
الفرع الخامس: تحول السندات إلى أسهم422
الفرع السادس: اشتراط المموِّل تأخير تسليم رأس المال426
الفرع السابع: السِّقَاطة432
الفرع الثامن: عدم تخفيض حصة أحد الشركاء عند زيادة رأس المال433
الفرع التاسع: اشتراط عائد محدد437
الفرع العاشر: تغيير العائد حسب مرحلة التمويل439
الفرع الحادي عشر: حافز الأداء441
الفرع الثاني عشر: أن تكون مسؤولية أحد الشركاء محدودة444
الفرع الثالث عشر: اشتراط المموِّل للمشاركة بيع جزء من نصيبه
                                     للمتمول بثمن آجل.454
الفرع الرابع عشر: اشتراط المموِّل عدم تحمله بعض مصروفات
                                   الشركة462
الفصل الثالث: تقويم المشروع في التمويل برأس المال الجريء467
المبحث الأول: تعريفه469
المبحث الثاني: حكمه473
المبحث الثالث: أجرته475
الباب الثالث: نهاية التمويل برأس المال الجريء477
الفصل الأول: التخارج479
المبحث الأول: تعريف التخارج481
المطلب الأول: تعريفه في اللغة481
المطلب الثاني: تعريفه في اصطلاح الفقهاء481
المبحث الثاني: طرق التخارج483
توطئة483
المطلب الأول: شراء أحد الشركاء حصة المموِّل في المشروع484
المسألة الأولى: صورته484
المسألة الثانية: حكمه485
الفرع الأول: التوصيف الفقهي485
الفرع الثاني: حق الخيار485
الفرع الثالث: تحديد الثمن 485
الفرع الرابع: شرط تأخير سداد الثمن488
الفرع الخامس: اشتراط شراء المتمول حصة الممول عند نهاية مدة
                           التمويل488
المطلب الثاني: اندماج المشروع مع مشروع آخر490
المسألة الأولى: تعريفه490
المسألة الثانية: أنواعه491
المسألة الثالثة: حكمه492
الفرع الأول: الاندماج بطريق المزج492
الفرع الثاني: الاندماج بطريق الضم493
المطلب الثالث: استحواذ غير الشركاء على المشروع493
المسألة الأولى: تعريفه493
المسألة الثانية: أنواعه495
المسألة الثالثة: حكمه495
المطلب الرابع: طرح المشروع للاكتتاب496
المسألة الأولى: تعريف الاكتتاب496
المسألة الثانية: أنواعه497
المسألة الثالثة: حكمه499
الفرع الأول: حكم طرح المشروع للاكتتاب499
الفرع الثاني: حكم علاوة الإصدار500
المطلب الخامس: بيع وثائق الاستثمار502
المسألة الأولى: تعريف وثائق الاستثمار502
المسألة الثانية: صورة بيع وثائق الاستثمار503
المسألة الثالثة: توصيف بيع وثائق الاستثمار503
المسألة الرابعة: حكم بيع وثائق الاستثمار504
المطلب السادس: التصفية505
المسألة الأولى: تعريفها505
المسألة الثانية: أنواعها507
المسألة الثالثة: حكمها508
الفصل الثاني: الإفلاس511
المبحث الأول: تعريفه513
المبحث الثاني: آثاره517
المطلب الأول: انتهاء الشركة بالإفلاس517
المطلب الثاني: الحجر على الشركة بسبب الإفلاس518
المسألة الأولى: تعريف الحجر518
المسألة الثانية: حكمه519
المسألة الثالثة: اشتراط حكم القاضي بالإفلاس528
المسألة الرابعة: طلب الشركة نفسها الحكم عليها بالإفلاس531
المسألة الخامسة: أثر الحكم على الشركة بالإفلاس533
الفرع الأول: إشهار الإفلاس533
الفرع الثاني: منع الشركة من التصرف في مالها533
الفرع الثالث: عدم نفاذ إقرار الشركة بحق مالي535
الفرع الرابع: حلول الديون المؤجلة538
الفرع الخامس: حق الغريم في استرداد عين ماله541
الفرع السادس: بيع مال الشركة المفلسة وقسمته بين الغرماء549
الخاتمة561
الفهارس العامة575
فهرس الآيات القرآنية الكريمة577
فهرس الأحاديث النبوية والآثار581
كشاف المسائل الفقهية585
ثبت المصادر والمراجع591
فهرس الموضوعات619

 

الحمد لله الذي شرح بالوحيين صدور أوليائه، ونضّر بهما وجوه أصفيائه، أنزلهما مع خاتم أنبيائه، فجعلها خاتمةَ الرسالات، الظاهرةَ على كل الديانات، فله سبحانه سابغ الحمد وأوفى التعظيم، وعلى رسوله أزكى الصلاة وأتم التسليم، H.

أما بعد:

فقد بعث الله نبينا محمدًا H بالشريعة الغراء (شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا)، وأمره بدعوة الناس إلى الدين، وهداية الخلق صراطَ رب العالمين، (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)، فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، وكان من أواخر ما نزل عليه قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).

فلم يزل هذا الدين ظاهرًا على جميع الأديان، وحاكمًا على الناس في كلِّ زمان ومكان؛ تزيده الأيام شموخًا، ويعظم في القلوب رسوخًا، تأتي النازلة تلو النازلة، فيتحير الناس فيها، (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) ، فإذا بالعلماءِ -ورثةِ الأنبياء- يجدون حكمها في هدى الوحي: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ).

ومع الانطلاقة التقنية في هذا العصر بجميع أمصاره، والتقارب المعرفي بين أقطاره، غدا العالم أقرب إلى قرية صغيرة، فما يحصل في غربه ترى في شرقه نظيره، وما يُستحدث في أعلاه يبلغ أدناه كبيره وصغيره.

ومع ذلكم التقارب زادت تعاملات الناس، فصار القاصي يشتري سلعة الداني، وذو المال يساهم في شركة تبعد عنه آلاف الأميال، ما جعل الحوادث تزداد وتكثر، وتَطَلُّب حكم الشريعة فيها يعظم ويكبر، وزاد المسائل إشكالًا نشوؤُها عند من لا يراعي دين الله تشريعًا، حيث يصير المال أول منظور إليه، ومحروص عليه، ومع انتقالها لبلادنا والعالم الإسلامي تطلب الأمر بحثها بتقصي جذورها، ومعرفة أهدافها وأسباب نشوئها، ثم أدواتها وأشكالها، ووسائلها وأحوالها لتنزيل أحكام الشريعة عليها، مراعاة لأقوال المذاهب واختيارات الفقهاء، والاجتهاد الجماعي بين العلماء، حتى يُوصل إلى ما يرجح أنه حكم الشرع فيها.

ومن تلك النوازل الحادثة: التمويل برأس المال الجريء (Venture Capital)، وهو أسلوب تمويل حديث، تقوم فيه مؤسسة مالية بتمويل مشروع -يكون من المشروعات الصغيرة أو المتوسطة- مقابل حصةٍ فيه، ومشارَكةٍ في إدارته مدة زمنية محددة؛ لتبيع حصتها بعدُ بربح يعوض طول مدة التمويل[1].

هذا التمويل ظهرت بداياته في الولايات المتحدة الأمريكية منتصفَ القرن الماضي ثم ما لبث أن انتقل إلى أوروبا ولم يصل للعالم الإسلامي إلا مؤخرًا، وكان لهذه الصناعة التمويلية دور كبير في القفزة التقنية الحديثة، فكثير من الشركات الحاسوبية نشأت عن طريق هذا التمويل؛ كشركة ميكروسوفت (Microsoft) وآبل (Apple) وسيسكو (CISCO) ونتسكيب (Netscape)، وموقع هوتميل (Hotmail) وفيس بوك (Facebook)، وساهم تمويلها بأسلوب رأس المال الجريء في تحقيق قفزة صناعية تنموية كبيرة، كما ساهم هذا التمويل في تطوير مجالات أخرى؛ كالتجارب الطبية، خاصة ما يتعلق منها باكتشاف وتصنيع الأدوية والعقاقير.

هذه الآثار حَدَتْ بالدول إلى أن تتجه لدعم هذا التمويل، فأسست لذلك حاضنات الأعمال ودعمت مؤسسات التمويل برأس المال الجريء، كما كان للقطاع الخاص دور في ذلك؛ إذ نشأت شركات وصناديق اختصت بهذا النوع من التمويل؛ ذلك أن المشروعات الممولة بهذا التمويل سريعة النمو وتحقق لممولها أرباحًا عالية مقارنة بغيرها، ومما يشهد لذلك قيام دولة ماليزيا -وهي من الدول الرائدة في المصرفية الإسلامية- بوضع تنظيمات وضوابط خاصة له تتفق مع الشريعة الإسلامية[2].

ولم تكن بلادنا -رعاها الله- في معزل عن ذلك؛ حيث أوْلت هذا التمويل اهتمامًا بالغًا تمثل في إنشائها الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي جعلت هذا التمويل أول اهتماماتها، وأسست لأجله صندوقًا بالتعاون مع مدينة الملك عبدالله الاقتصادية برأس مال يبلغ خمسة وسبعين مليون ريـال، وقبل ذلك ساهمت جامعات المملكة ومؤسساتها الحكومية وشركاتها التجارية بتأسيس عدد من صناديق التمويل برأس المال الجريء كسابك أرامكو و(STC).

هذا الاهتمام دعاني لاختيار هذا الموضوع، وهو موضوع مليء بالمسائل الفقهية -كما سيأتي- والضابط في مسائله: ما كان منها متعلقًا بالتمويل برأس المال الجريء، وعليه تدور هذه الرسالة، بحصر صور التمويل ومسائله وشروطه، وردها إلى أصولها، ثم بيان الخلاف فيها بناءً على ذلك لدى المذاهب الأربعة، وبيان أدلتهم، مع ترجيح الباحث ما يراه أقرب للدليل.

وقد اخترت ترجمة مصطلح (Venture Capital) برأس المال الجريء من بين الترجمات المختلفة له؛ كرأس المال المخاطر، والمغامر، وغيرها؛ لأن غيره من المعاني قد يوهم أمرًا غير مقصود -كالغرر والقمار- كما أن الترجمة المختارة أقرب للمراد.

وأهدف في هذا البحث إلى حصر أهم الصور التي تدخل في هذا الموضوع وتجليتها، ثم دراستها دراسة وافية وتوصيفها فقهًا، مع بيان أقوال العلماء فيها وأدلتهم، وترجيح ما يراه الباحث راجحًا بدليله؛ لتكون الرسالة مرجعًا فقهيًّا لجهات التمويل والباحثين في مسائل هذه الصناعة التمويلية.

أهمية الموضوع:

تظهر أهمية الموضوع في الآتي:

أولًا: جِدة هذا التمويل في العالم الإسلامي عامة والمملكة العربية السعودية خاصة، ومبادرة الدول لإنشاء المؤسسات لأجله، مما يجعل بحث أحكامه الفقهية أمرًا مهمًّا لتقوم تلك المؤسسات على أسس لا تخالف الشريعة.

ثانيًا: تَبَنِّي الدول هذا النوع من التمويل وإنشاء جهات تمويلية خاصة بذلك، لمساهمته في التطوير النوعي للبلد وابتكار منتجات جديدة، وأثره في إيجاد مصدر مالي للأفراد، ما يساعد في تخفيف نِسب البطالة.

ثالثًا: أهمية هذا التمويل للمموِّل والمتموِّل؛ فالمموِّل لارتفاع نسبة الأرباح في هذا النوع من التمويل خاصة، والمتموِّل لكونه المصدر الأشهر لتمويل المشروعات الناشئة.

رابعًا: أهمية الموضوع للقضاة؛ لأن انتشار هذا التمويل يصاحبه زيادة في النزاعات القضائية، لا سيما ما يتعلق بالتخارج.

خامسًا: تعدد صور هذا النوع من التمويل وتشتت مسائله، وندرة الأبحاث فيه.

صعوبات البحث:

لا يكاد يخلو بحث من صعوبات، وقد كان أهم ما واجهت من صعوبات في هذا البحث:

1-.. ندرة المراجع العربية في هذا الموضوع من الناحية الاقتصادية والمالية، وبعض ما كُتب في هذا الموضوع قديم أو غير دقيق، مما تطلب الرجوع إلى مراجع إنجليزية بعد ترجمتها إلى اللغة العربية.

2-.. اختلاف المراجع في تصوير عدد من المسائل، وسببه اختلاف التطبيقات أو الخطأ في الفهم، مما تطلب الرجوع إلى الأدلة المعدة من المراكز البحثية المختصة في التمويل برأس المال الجريء.

3-.. سرية العقود المبرمة في هذا الموضوع، مما زاد من صعوبة الدراسة.

4-.. تفرق مسائل الموضوع في عدد من أبواب الفقه؛ كشركة العنان والمضاربة والوكالة والبيع والإجارة والجعالة والتخارج والإفلاس، وتركب كثير من العقود من نوعين أو أكثر منها، مما تطلب دراسة مستفيضة للمذاهب الأربعة في كل باب، ومعرفة أصول كل مذهب، وقد اتخذت في ذلك طريقة تطلبت وقتًا طويلًا، فقد انتخبت -بمشورة بعض شيوخي- كتبًا في كل مذهب، ورسمت جدولًا وضعت في عموده الأول عنوان المسألة، وفي عموده الثاني نصوص الفقهاء من كل مذهب مبينًا مرجع كل نص والجزء والصفحة، وملونًا كل مذهب بلون مختلف، فاجتمع لدي أكثر من ثلاث مئة صفحة في مسائل شركة العنان والمضاربة والوكالة والإجارة والجعالة ونحوها، وصار استيعاب أصول كل مذهب أيسر، والوصول إلى ما اختلفوا فيه أسهل.

5-.. دقة الشروط التي يشترطها العاقدان في التمويل برأس المال الجريء، والتي تتطلب إمعانًا في النظر ودقةً في الفهم.

6-.. نشوء الصناعة التمويلية في بلاد غير المسلمين، مما أوجد مخالفات شرعية في بنائها وشروطها.

ما أجريت على الرسالة بعد المناقشة:

أصل هذا الكتاب: رسالة دكتوراه سجلت في قسم الفقه المقارن بالمعهد العالي للقضاء عام 1436هـ، ونوقشت في آخر يوم من شهر شعبان عام 1439هـ، وبعد المناقشة اقترح علي بعض الأحبة طباعة الرسالة، فتذرعت بما فيها من قصور لاسيما أنها أول بحث فقهي في هذا الباب، ومع تأكيد الأحبة بأن أول ما يكتب في الباب عادةً يُغتفر فيه ما لا يُغتفر فيما بعده استخرت الله في طباعة الرسالة، ورأيت أن أراجعها لأعدل بعض المباحث التي التزمتها في الخطة ثم رأيت عند كتابتها أن الأنسب حذفها أو نقلها إلى مواضع أخرى، وكان أبرز ما قمت به الآتي:

1-.. مراجعة الرسالة وتصحيح ما لوحظ عليها في المناقشة، بحسب الإمكان.

2-.. دمج بعض المباحث التي وجدت أن دمجها مع غيرها أفضل من إفرادها؛ كالمسائل المتعلقة بالرسوم، حيث أفردت لها في الخطة فصلًا، ثم رأيت عند كتابة الرسالة أن الأنسب دمج كل رسوم في موضعها في الرسالة.

3-.. نقل بعض المباحث تقديمًا أو تأخيرًا.

4-.. حذفت بعض ما رأيته استطرادًا أو تكرارًا لما سبق تقريره، واكتفيت ببيانه في موضع واحد قدر المستطاع.

5-.. حذفت التطبيقات التي أوردتها في آخر الرسالة، وإدراج ما ورد فيها من مسائل إضافية في أصل الرسالة.

وهنا أسبغ الثناء والحمد لله ربي على توفيقه وتيسيره، وفضله وإنعامه، ثم أشكر داعيًا كل من كان له فضل عليَّ في سيري في طريق العلم الشرعي، ومواصلة الدرس والطلب حتى إعداد هذه الرسالة وتقديمها، وأول من يستحق الثناء ولا يوفى عشر حقِّه: والداي أجزل الله لهما الأجر والمثوبة، والدي V ورفع درجته في عليين وجمعني به في جنات النعيم، ووالدتي رفع الله قدرها وعظَّم أجرها وأمدَّ في عمرها على طاعته، فقد كان لهما أعظم الفضل في التربية والتوجيه والصبر والتسديد حتى يسر الله لي ما يسر، وأسأل الله أن يقر أعينهما بما يحبان، ويجزيهما من الثواب حتى يرضيا.

ثم أشكر معلميَّ وأساتذتي في كلية الشريعة والمعهد العالي للقضاء، فلقد كان لكل واحد منهم فضل علي، وأخص بالشكر شيخي الذي كان لدروسه ومؤلفاته فضل عليّ في تقويم النظر في باب المعاملات المالية منذ أكثر من عشر سنوات، ثم شَرُفت بالدراسة عليه في المعهد العالي للقضاء، وأكرمني الله بإشرافه على رسالتي، فلم أجد منه سوى الترحيب والتسديد بأحسن العبارات وأقوم الإفادات، ولم يفتأ -مع انشغاله- في تصحيح ما يرد في الرسالة من أخطاء في الفهم أو الصياغة، فشكر الله لفضيلة الشيخ: أ.د. يوسف بن عبد الله الشبيلي على ما بذل من وقته وجهده، وما أفادني به من تصحيح وتصويب.

وأثني ببالغ الامتنان والإجلال لكل من كان له فضل علي في طلب العلم، وأخص منهم صاحب الفضيلة: أ.د. مساعد بن عبد الله الحقيل؛ فله علي أفضال كثيرة لا أستطيع لها وفاء، الله يجزيه عنها، فقد كان لتوجيهاته ومساندته أثر ظاهر في مسيرتي العلمية، ثم أكرمني مع صاحب الفضيلة د.محمد بن سعود العصيمي بقبول مناقشة هذه الرسالة، وتصويبهما ما وقع فيها من قصور، فجزاهما الله عني أفضل الجزاء وأوفره.

وأجزل أوصاف الشكر لمن كان له فضل عليَّ في اختيار هذا الموضوع وتسجيل هذه الرسالة: لأصحاب الفضيلة أعضاء هيئة التدريس في قسم الفقه المقارن، وفي مجلس المعهد العالي للقضاء، وأخص منهم د.آدم بن نوح القضاة، الذي أفادني مدة إرشاده العلمي لي بما صوّبت به خلل الخطة وسددت به بعض ما عراها من نقص، ثم الشكر لصاحب الفضيلة د.خالد بن عبد الرحمن المهنا -عضو هيئة التدريس بقسم الفقه بكلية الشريعة- الذي عرّفني بالموضوع، وأرشدني إلى مراجعه، ولفضيلة الدكتور: حامد بن حسن ميره، الذي أفدت من ملحوظاته عند إعداد الخطة، وشجعني على بحثها، وأحالني لبعض مراجعها، كما أشكر أ.د. محمد ابن إبراهيم بن محمد السحيباني -أستاذ كرسي سابك لدراسات الأسواق المالية الإسلامية، بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- حيث كان له الفضل بتعاونه وتواصله المستمر، وحثه لي على تسجيل هذا الموضوع، فشكر الله لهم جميعًا، ورفع قدرهم في الدارين، وألتمس العذر ممن سهوت عن ذكره، فجزاؤه عند ربٍّعليم، والله يجمعنا بهم ووالدينا في جنات النعيم.

هذا، والله أسأل الهداية والسداد، وأن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، مقربًا إلى رضوانه، نافعًا لي في حياتي وبعد مماتي، وألَّا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، والحمد لله أولًا وأخيرًا.

 



[1]          Guide on Private Equity & Venture Capital for Entrepreneurs الصادر عن الجمعية الأوروبية، ص6.

[2]          انظر: دليل مصلحة الجمارك الماليزية Guide on venture capital الصادر عام 2013م.