سلة المشتريات

علماء نجد خلال ثمانية قرون

علماء نجد خلال ثمانية قرون
جديد
علماء نجد خلال ثمانية قرون
* السعر لا يشمل الضربية.
  • المؤلف: عبد الله عبد الرحمن البسام
360.00 ريال

موسوعة تاريخية يمة بذل مؤلفها جهدًا علميًّا، وتحقيقات تاريخية نادرة المثال، فقد كَرَّسَ – رحمه الله- لجمع موادِّها جميع نشاطاته وأوقات فراغه، فزار دار الكتب المصرية في القاهرة والمكتبة الظاهرية بدمشق، وعكف أيامًا في مكتبة المدينة المنورة والطائف ومكتبات الرياض والقصيم والزبير ومكتبات أخرى خاصة بالعلماء وطلبة العلم في الحجاز ونجد. كما نقَّب وبحث في الأوراق القديمة والوثائق الشرعية والصكوك المحفوظة لدى أهلها، أو بالمحاكم الشرعية في مختلف بلدان نجد، وذلك لتقصِّي الحقائق والوصول إلى أخبار القريب والبعيد، والمشهور والمغمور من رجال العلم، وآثارهم العلمية وتلامذتهم.

فكان -حفظه الله- بتأليفه هذا السِّفْر القيِّم الفائزَ الأول في السباق العلمي البعيد المدى، والذي شمل مدن نَجْد كلَّها، بل وما جاورها من البلاد، كالمنطقة الشرقية والزبير.

واختصارًا فقد كَرَّسَ فضيلة المؤلف في تأليف كتابه هذا جزءًا كبيرًا من نشاطه العلمي وجَلَده وصبره على التحقيق والتدقيق، حتى صدر بهذه الصورة الجميلة، والإخراج الموفق، الذي سيبقى -على مدى الأيام- لرواد البحث والتحقيق خاصة عن علماء نجد جداول نقية، ومنابع ثرَّة للاستقاء منها، والاستفادة منها عند الحاجة والمراجعة ودراسة تاريخ هؤلاء العلماء المشهورين والمغمورين.

أمَّا ما جمع من المعلومات المتعلقة بأنساب أهل نجد، فهو -ولا شك- ذو قيمة عظيمة، وجدير بأن يُهتم به، من حيث الجمعُ ومن حيث النشر.


الكتاب
الترقيم الدولي ISBN978-603-8100-27-1
اللغةالعربية
التجليدكرتوني
نوع الورقشمواة
عدد الصفحات3046
المقاس17 × 24 سم
عدد المجلدات6
الوزن6500 جم
رقم الطبعة1
سنة الطبع2019
موافقة طيبة5
تصدير بقلم المؤرخ الكبير الشيخ حمد الجاسر رحمه الله7
بين يدي الكتاب في طبعته الجديدة9
مقدمة الطبعة الثانية، وفيها عشر نقاط لما جرى فيها13
مقدمة الطبعة الأولى17
مدخل إلى الكتاب عن سكان نجد وتاريخه وسبب تأليف الكتاب وطريقة عرض التراجم19
تقاريظ للكتاب من حكام وأمراء هذه الحكومة الرشيدة ومن العلماء والوزراء والوجهاء والقراء39
تقريظ جلالة الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود 41
تقريظ حضرة صاحب السمو الملكي ولي العهد ونائب رئيس مجلس الوزراء فهد بن عبد العزيز آل سعود ملك المملكة العربية السعودية 42
تقريظ صاحب السمو الأمير بندر بن عبد العزيز آل سعود 43
تقريظ نائب وزير الداخلية صاحب السمو الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود 44
تقريظ صاحب السمو الأمير مساعد بن عبد الرحمن آل سعود 45
تقريظ رئيس مجلس القضاء الأعلى سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد 46
تقريظ الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز 47
تقريظ الرئيس العام لهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ 48
تقريظ رئيس محاكم منطقة عسير فضيلة الشيخ إبراهيم الراشد الحديثي 50
تقريظ فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين 51
تقريظ الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن حسين آل إسماعيل 52
تقريظ الشيخ عبد الرحمن محمد إسماعيل 53
تقريظ الشيخ محمد الحمد المطلق الغفيلي 55
تقريظ الأستاذ المؤرخ الكبير الشيخ حمد الجاسر 56
تقريظ معالي الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن عدوان 57
تقريظ  الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن يحيى 58
تقريظ الشيخ سليمان الصالح البسام 59
تقريظ الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن حمود التويجري 60
تقريظ الشيخ إسماعيل بن سعد بن عتيق 61
تقريظ الشيخ عبد الله الحناكي 62
تقريظ الشيخ عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الفريح 63
تقريظ الدكتور عبد الله العثيمين 64
تقريظ صاحب المعالي وزير التعليم العالي الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ 65
تقريظ وزير الحج والأوقاف صاحب المعالي الأستاذ عبد الوهاب أحمد عبد الواسع 66
تقريظ وزير الزراعة والمياه صاحب المعالي الأستاذ عبد الرحمن بن عبد العزيز آل الشيخ67
تقريظ مدير جامعة الرياض - الملك سعود حاليًّا- صاحب المعالي الأستاذ الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الفدا 68
تقريظ الأستاذ عبد الله النوري، من الكويت 69
تقريظ معالى الأستاذ عبد العزيز التويجري 71
تقريظ الكاتب الأستاذ علي حافظ رئيس تحرير جريدة (المدينة المنورة) 72
تقريظ الكاتب الأستاذ أحمد علي 73
وهم الشيخ بكر75
ترجمة المؤلف الشيخ عبد الله البسام بقلم ولده81
ترجمة المهندس عبد الرحمن ابن الشيخ عبد الله البسام107
نماذج من تنقيحات وزيادات المؤلف على طبعته الثانية111
صورة أول مقال من المقالات التي ابتدأها العلامة الشيخ حمد الجاسر V بجريدة الرياض123
نماذج من تعليقات الشيخ حمد الجاسر بجريدة الرياض131
الشيخ محمد بن عبد الوهاب139
الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب175
الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ183
الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ198
الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ208
الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن حسين بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ220
الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ229
الشيخ إبراهيم بن أحمد بن إبراهيم بن يوسف246
الشيخ إبراهيم بن أحمد بن فهد بن نغيمش249
الشيخ إبراهيم بن أحمد بن محمد المنقور251
الشيخ إبراهيم بن حمد الشثري254
الشيخ إبراهيم بن حمد بن عبد الله بن جاسر258
الشيخ إبراهيم بن حمد بن عبد الوهاب بن مشرف271
-الشيخ إبراهيم بن حمد بن محمد بن عيسى272
الشيخ إبراهيم بن سعود بن سليمان السياري275
الشيخ إبراهيم بن سليمان بن علي بن مشرف278
الشيخ إبراهيم بن سليمان بن ناصر آل راشد280
الشيخ إبراهيم بن سيف284
الشيخ إبراهيم بن صالح آل عواد288
الشيخ إبراهيم بن صالح بن إبراهيم ابن عيسى290
الشيخ إبراهيم بن صالح بن محمد القاضي301
الشيخ إبراهيم بن عبد العزيز بن إبراهيم السويح303
الشيخ إبراهيم بن عبد العزيز بن محمد الغرير305
الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ307
الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الله آل عبد اللطيف314
الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن مبارك318
الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم الهويش320
الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن إبراهيم بن سيف الشمري331
الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن أحمد البسيمي333
الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن عبد الله بن نوح335
الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن محمد البسيمي337
الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن محمد آل فنتوخ339
الشيخ إبراهيم بن عبد الملك بن حسين آل الشيخ341
الشيخ إبراهيم بن عبد الوهاب بن سليمان آل مشرف343
الشيخ إبراهيم بن غملاس344
الشيخ إبراهيم بن محمد الجردان349
الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة351
الشيخ إبراهيم بن محمد العتيقي356
الشيخ إبراهيم بن محمد بن عجلان357
الشيخ إبراهيم بن محمد بن سالم بن ضويان361
الشيخ إبراهيم بن محمد بن عبد الجبار بن عنيِّق367
الشيخ إبراهيم بن محمد بن عبد الكريم المبيض368
الشيخ إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل370
الشيخ إبراهيم ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب372
الشيخ إبراهيم بن محمد بن فائز374
الشيخ إبراهيم بن محمد بن محمد آل عمود376
الشيخ إبراهيم بن ناصر بن جديد378
الشيخ إبراهيم بن ناصر بن صالح الزغيبي382
الشيخ إبراهيم بن ناصر بن عثمان الأحمد385
الشيخ أبو نمي بن عبد الله بن راجح التيمي386
الشيخ أحمد بن إبراهيم بن حمد بن عيسى388
الشيخ أحمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي حميدان401
الشيخ أحمد بن إسماعيل بن عقيل402
الشيخ أحمد بن حسن بن رشيد404
الشيخ أحمد بن خميس آل جبران411
الشيخ أحمد بن ذهلان بن عبد الله بن ذهلان414
الشيخ أحمد بن سليمان بن عبد الله البسام416
الشيخ أحمد بن سليمان آل عبيد418
الشيخ أحمد بن سليمان بن مشرف419
الشيخ أحمد بن عبد العزيز المرشدي420
الشيخ أحمد بن عبد العزيز بن إبراهيم آل سلمان البدراني421
الشيخ أحمد بن عبد العزيز بن حمد آل مبارك423
الشيخ أحمد بن عبد الله بن عقيل426
الشيخ أحمد بن عبد المحسن بن حمد آل أبا حسين429
الشيخ أحمد بن عبد الوهاب بن عبد الله بن مشرف431
الشيخ أحمد بن عثمان بن عبد الله بن جامع433
الشيخ أحمد بن عثمان بن عثمان بن بسام435
الشيخ أحمد بن علي بن أحمد بن دعيج437
الشيخ أحمد بن علي بن حسين آل مشرف442
الشيخ أحمد بن مانع بن إبراهيم بن مانع445
الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد البجادي448
الشيخ أحمد بن محمد بن حسن القصير450
الشيخ أحمد بن محمد بن أحمد بن حمد المنقور 454
الشيخ أحمد بن محمد بن خيخ459
الشيخ أحمد بن محمد بن صعب461
الشيخ أحمد بن محمد بن عبد اللطيف آل مبارك463
الشيخ أحمد بن محمد بن عبد الله بن بسام464
الشيخ أحمد بن محمد بن عبد الله بن علي التويجري468
الشيخ أحمد بن محمد بن ماجد الحصين470
الشيخ أحمد بن محمد بن مُشرَّف473
الشيخ أحمد بن محمد بن ناصر بن مشرف475
الشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة476
الشيخ أحمد بن يحيى بن محمد بن رميح482
الشيخ إسحاق بن حمد بن علي بن عتيق484
الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب آل الشيخ486
الشيخ إسماعيل بن حمد بن علي بن محمد بن عتيق492
الشيخ إسماعيل بن رميح بن جبر494
الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري496

مقدمة الطبعة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم،

بعد: 

فقد كنت بدأت بتاريخ لبلاد نجد التي يحدُّها من الناحية الشمالية مشارف بلاد الشام، ومن الجهة الجنوبية الربع الخالي، ومن الناحية الشرقية بلدان الخليج العربي والحدود العراقية، ومن الناحية الغربية سُفوحُ جبال السراةِ الشرقية.

وقد قسمت هذا التاريخ إلى ثلاثة أقسام:

1- تراجم للعلماء والملوك ومشاهير الأمراء والفرسان والشعراء وغيرهم، ممَّن له شأنٌ في أحوال نجد.

2- أخبار نجد الحربيَّة والسِّلْميَّة والسياسيَّة والعمرانيَّة والاقتصاديَّة والتعليميَّة والكونيَّة.

3- أنساب القبائل القحطانية والعدنانية، ومحاولة التغلغل في أصولها، ورفع أنساب القبائل الحاضرة وإلحاقها بالماضية، وهذا القسم أوسع من القسمين الأولين؛ لوجود أصول القبائل وفروعها منتشرةً في أرجاء الجزيرة العربية، بل إنَّ بعضها يوجد خارج الجزيرة.

وقد قطعت كثيرًا في مراحله، إلَّا أنَّ مهام أعمال القضاء وشؤون الحياة أطالت مدة انتظاره، فاختزلتُ منه قسمَ تراجم العلماء لأقوم بنشره، وأسأل الله تعالى أن يُعِين على باقِيهِ إنَّه هو المستعان.

المؤلِّف



سكان نجد:

العلماء يقسِّمون العربَ إلى ثلاثة أقسام: بائدة، وعارِبة، ومستعرِبة، وكلُّ الأقسام الثلاثة سكان الجزيرة العربية.

فأمَّا البائدة: فأخبارهم قليلة، وتحديد زمانهم فيه غموض، والأخبار التي تُنقَل عنهم -على قلَّتها- أشبَهُ شيءٍ بالأساطير، إلَّا ما جاء القرآنُ الكريم بذكره، من ذِكْر عاد وثمود.

وأما العرب العاربة، وهم قحطان الكبرى: فمساكنُهم منذ قديمِ زمانِهم في جنوب الجزيرة العربية، ثم أخذت تلك القبائل تنزح من جنوب الجزيرة إلى شمالها وشرقها وغربها، ومن ذلك سكنت جُرْهُم وخزاعة مكة وما حولها، وسكنت قبائل قضاعة غرب الجزيرة ممَّا يلي سواحل البحر الأحمر، وسكنت الأوس والخزرج المدينة، وسكنت قبيلة طيِّئ شمال الجزيرة، وسكنت المَنَاذرة حدود العراق، والغَسَاسنة حدود الشام، وهما من الأزد، وهذا مطابق لما جاء في كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، من أنَّ قبيلة طيِّئ لم تنتقل من جنوب الجزيرة إلى شمالها إلا بعد انتقال الأزد .

وذكر الذهبي  في «العِبَر» أنَّ خروج طيِّئ من اليمن كان بعد خروج الأزد، ولمَّا انتقلت منه قبائل الأزد سكن كثير منها في شمال الجزيرة وشرقها، ومن تلك الأيام صار القسم الشمالي والشرقي من الجزيرة مسكونًا من قِبَل قبائل قحطان وعدنان.

وأمَّا العرب المستعربة: فهم أبناء إسماعيل بن إبراهيم الخليل ، وابتدأ تاريخهم في الجزيرة من حين وضع إبراهيم الخليل  طفله إسماعيل وأُمَّه في مكة المكرمة في جوار البيت الحرام.

فلمَّا شبَّ إسماعيل  صاهر قبيلة جُرْهم القحطانية، فنشأ أولاده في مكة، ثم كثرت ذرية إسماعيل فصاروا قبائل عديدة، منها: قبائل ربيعة ومضر، وبعض هذه القبائل لا يزال في جوار مكة، وأكثرهم نزحوا إلى أرياف نجد ورياضها الفسيحة.

ونَجْد منذ انتقلت إليها القبائل القحطانية من الجنوب وزحفت إليها القبائل العدنانية من الحجاز وهي ممرٌّ للموجات البشرية التي تنحدر إليها ثم تُقيم فيها ما شاء الله أن تقيم، ثم تولِّي وجهها نحو الشرق حتى تصل سواحل الخليج العربي وضفاف دجلة والفرات، فتقيم فيها زمنًا على عاداتها العربية وطباعها البدوية، حتى إذا تأثرت وانطبعت بطابع تلك البلاد ابتلعتها تلك الحواضر والمدن.

وحاضرة نجد في الماضي والحاضر هي مَن تحضَّر من تلك القبائل.

تاريخ نجد:

نجد منذ أقدم العصور وهي مسكونة، إلَّا أنَّ هناك غموضًا كثيفًا في تاريخ هؤلاء السكان القدامى وأحوالهم، بل إنَّ هذا الغموض يشمل الجهل بأجناسهم.

ونستطيع أن نقسم الفترات التاريخية في نجد حسب الظهور والخفاء إلى أربعة أدوار:

أولًا: سكان نجد الذين سبقوا انتقال قحطان من جنوب الجزيرة ووفرة عرب عدنان بالتوالد والانتشار.

هؤلاء السكان نجهل زمانهم كما نجهل أنواعهم من الأمم، عدا الأخبار القليلة عمَّن سكنها من العرب البائدة.

أما الذي نجزم به فهو أنَّ نجدًا سُكنت قبل الأمة العربية، وأنَّ سكانها كانوا على قسطٍ كبير من المدنية والحضارة، فإنَّ ما ظهر من آثار عمرانهم يدل على أنَّه عاش فيها أمةٌ أو أممٌ متحضرة متمدِّنة متقدمة في مدنيَّتها وحضارتها، ولعل التنقيب يكشف عن ذلك فيكتب تاريخهم من جديد.

ومن تلك المناطق الأثرية:

الفاو: في جنوب نجد، فآثاره الظاهرة الآن تدل على سكناه بأمم لها حضارة ولها مدنية عريقة .

ضفَّتا وادي الرُّمَّة التي من القصيم: في هذه المنطقة آثار عجيبة لا يمكن أن تكون من قبائل بدوية، فإنَّه تُشاهَد قطع أوانٍ مطلية وعليها نقوش وصور وزخارف لا يجيدها إلا أيدٍ متقدمة في فن الرسم والتصوير، ويمكن أن يقال: إنَّها حُملت إليها من بلاد أخرى لو لم تكشف الحفريات البسيطة عن وجود أسواق تجارية ومبان منسَّقة منظَّمة.

ثانيًا: سكان نجد حين كثرت العرب قبيل البعثة المحمدية تلك الكثرة التي ملأت صحاريَها وقِفارها من القبائل العدنانية والقحطانية، وقامت فيها أسواقهم التجارية والأدبية، والتحمت فيها أيامهم وحروبهم.

هذه فترة واضحة ظاهرة عرفت بها أيامهم ومقاتل أبطالهم، واشتهر فيها شجعانهم وفرسانهم، ونبغ فيها شعراؤهم وخطباؤهم، ونُقلت إلينا أخبارهم، ودوِّنت عاداتهم وتقاليدهم ولغتهم.

والفضل في وضوح أخبار وأحوال هذه الفترة يرجع إلى الرواة الذين حرَصوا على نقل هذه الأخبار ثم أملَوْها على مدوِّني الآداب والتاريخ، كما يرجع الفضل فيها إلى الشعر الذي حَفظ الكثيرَ من أخبار وأسماء تلك الحقبة حتى صحَّ أن يقال: «الشِّعْرُ دِيوَانُ الْعَرَبِ» ، وهذه الفترة هي مادة الأدب العربي الذي بقي يدرس إلى هذا العصر وإلى أن يشاء الله، فمؤرِّخ هذه الفترة من قبل عصر النبوة بنحو مئتي سنة إلى نهاية حروب الردة لا يُعجِزه أن يجد في بلاد نجد مادةً لتاريخه ودراسته وبحثه من الأيام المشهورة والمجالس العامرة والقبائل المنسوبة والأشعار والخطب والأمثال والحِكم.

ثالثًا: لمَّا انتقلت العاصمة الإسلامية إلى خارج جزيرة العرب وصارت عواصم الدول الإسلامية هي دمشق، ثم بغداد، ثم تعددت العواصم بين بغداد والقاهرة والأندلس وحلب وغيرها، ضعف الاهتمام بالجزيرة العربية عدا الحرمين الشريفين اللَّذين احتفظا ببعض مكانتهما السياسية والاجتماعية والعلمية؛ لتعلُّق الشعائر الدينية بهما، وكونهما مبعث الهداية والنور، كما أنَّ الخلفاء من الأمويين والعباسيين يرجعون في أنسابهم وموطنهم إلى مكة والمدينة.

أمَّا نجد فقد عدِمَت العناية بها من الدول الإسلامية إلَّا بقدر تأمين طرق الحُجَّاج من قطَّاع الطريق، أو وضع علامات على مسالك الطرق، وعمل مصانع لتوفير المياه للحجاج المجتازين، ورحل عنها النابهون من شعرائها وأدبائها وزعمائها وساداتها وفرسانها فأقاموا بالقرب من الخلفاء والأمراء، فقد سكنوا البصرة والكوفة وبغداد وبلاد فارس وبلدان الشام ومصر والأندلس، وانتقل الأدب والشعر والأخبار معهم، فمن ذلك التاريخ صارت نجد في زوايا المُهْمَلين وبَعُدَت عن أمكنة التدوين والرواية، وصار سكانها المقيمون فيها هم بقايا النازحين إلى الفتوحات وأحفاد المهاجرين ممَّن لا يقرؤون ولا يكتبون يعيشون في القرى الصغيرة والحقول البسيطة.

امتدَّت هذه الفترة القاتمة أكثر من عشرة قرون  حتى جاءت الدعوة السلفية الإصلاحية التي قام فجدَّدها المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، كل هذه الفترة التي سبقت هذه النهضة الإصلاحية والبلاد تعيش في سبات عميق وظلامٍ دامس، إلَّا أنَّنا نجزم يقينًا أنَّ هذه الفترة التي سكنت فيها من قبائل معروفة صار فيها شعرٌ وأدبٌ، وظهر فيها علماء وزعماء، وأنشئ فيها قرى وبلدان، وصار فيها حرب وسِلم، وجرت فيها حوادثُ وأمور هامَّة. إلَّا أنَّها لم تلقَ عناية في التدوين، ولم تجد الاهتمام بالنقل؛ فضاعت أخبارها وأشعارها وذهبت أدراج الرياح.

ولم يبقَ ممَّن يحفظه إلا صُمُّ الجبال وذرَّات الرمال العائمة في مجاهل الصحاري والقفار، وهذه الفترة لا يُجدي فيها التنقيب ولا تُسعِف فيها الحفريات إلا أن يكون أثيرها الصافي لا يزال يحمل في موجاته أنغام الحُدَاة وأسمار المجالس وأحاديث الرعاة وصليل السيوف وقِراع الأبطال وحَمْحَمَة الجياد، ولعل العلم سيتمكن يومًا من الأيام إذا أراد الله أن يُنطِق النسيم ليحدِّثنا عمَّا وعاه من أحاديث القوم.

الطور الحاضر:

ويبتدئ من قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب  بدعوته السلفية الإصلاحية في نصف القرن الثاني عشر الهجري، هذه الفترة هي أوضح وأظهر ما وصل إلينا من أخبار نجد الحديثة؛ لقربها منَّا، ولأنَّه حصل لها بعض العناية من علمائها ومؤرِّخيها، والحركة الكبيرة التي صاحبت قيام الدعوة من إعداد الجيوش والغزوات الكبيرة وفتح البلدان وما صاحَبَ ذلك من موالاة أصحاب الدعوة ومعاداةٍ من آخرين قبل دخول الجزيرة العربية تحت لواء واحد.

وبجانب حركة الحرب والسلم صارت حركة الجدال بالقلم واللسان، فصُنِّفتِ الكتب والرسائل والردود من الطرفين، فصارت هناك حرب كلامية راجت فيها سوق التأليف والكتابة.

كما قام الشعر بدور كبير في هذا المضمار، سواء منه الفصيح أو العامي، فصار للدعوة أعوان ولخصومها أنصار، فخلدت بذلك أحداث الحركة، كما وعت صدور الناس الكثير من أخبار هذه الحقبة؛ لأهميتها لديهم وضخامة حوادثها وتفتح الوعي فيهم، وكتب بعض مؤرِّخي نجد عنها، وكذلك كتب عنها الأجانب بغير اللغة العربية وبالعربية أيضًا، وصار في أيامنا القريبة هناك دراسات ومؤلَّفات عنها، إلا أنَّ الدارسين والمؤلفين المعاصرين أكثرهم من غير أهلها، وهؤلاء مهما حاولوا إعطاء الحقيقة فإنَّه يفوتهم الشيء الكثير ولا يستطيعون إيفاء الموضوع حقَّه من الدرس والتَّقصِّي، أما المؤرخون من أهلها فتنقصهم المَراجِع الكافية.

وما زالت هذه الحركة الإصلاحية الكبيرة التي جعلها الله سببًا لضمِّ أجزاء جزيرة العرب تحت راية واحدة في حاجة إلى الدراسة والبحث وإعطاء القراء صورة واضحة عنها، وعمَّا أتت به من نتائج طيبة.

كما أنَّ هذه التواريخ لم تُعْنَ بأخبار البادية وقبائل نجد ولا بالأحوال الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية، ولم تكتب عن العلماء والأمراء والشعراء والأبطال والزعماء، وإنَّما هي أخبار الحروب الحاضرة، وأخبار ناقصة، وذِكْر بعض وفيات الأعيان على وجه الإجمال.

ولذا فإنَّ تاريخ نجد حتى الآن لم يُكْتب الكتابة الكافية.

هذه إلمامة موجزة عن أطوار نجد التاريخية في ظهورها وخفائها.

أحوال نجد العلمية:

جَهْلُنا بعلماء نجد وأخبارهم هو جزء من الجهل العام بتاريخ المقاطعة كله، والتَّبِعَة على العلماء حيث لم يدوِّنوا تاريخهم، ولم يُترجِم المتأخِّر منهم لمن قَبْله، حتى عفا الزمن على أسمائهم، فضلًا عن أخبارهم وحياتهم.

ومنذ القرن السابع أخذنا نقرأ لبعض العلماء ممَّن قاموا بكتابات الوثائق التي وصلت إلينا، ومن القرن الثامن صرنا نتبيَّن بعض أخبارهم من الوثائق والفتاوى والنبذ التاريخية النجدية وإجازات بعضهم بعضًا، فهذه جرَّأتنا على تلمُّس أخبارهم وضمِّ بعضها إلى بعض، ليكون منها ترجمة للعالم قد تطول وقد تقصر بقدر ما وجدنا من معلومات.

وفي نجد عدة مدن حاضرة كانت قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب :

المدينة الأولى (أشيقر):

إحدى بلدان الوشم فقد كانت هذه المدينة من منازل بني تميم منذ العهد الجاهلي، ثم نزل معهم أبناء عمِّهم من (الرِّباب)، كما جاورهم فيها بطون من قبيلة عنزة، حتى إذا جاء القرن الخامس الهجري اختصَّ بسكانها (آل وهيب) من بني حنظلة من بني تميم، ويجاورهم عشائر قليلة من بقايا الرِّباب . 

ومن هذه المدينة تفرَّقت عشائر (الوهبة) في بلدان نجد، فهذه المدينة زخرت بالفقهاء، ووُجدوا بها، فإنَّه يجتمع في الوقت الواحد منهم أربعون عالمًا كلهم يَصلحون للقضاء يومَ كان القضاء لا يصل إلى مرتبته إلَّا كبارُ العلماء وفحولهم.

المدينة الثانية (العيينة):

جدَّد إنشاءها (حسن بن طوق) جد آل معمَّر في منتصف القرن التاسع الهجري، وهي أكبر من الأولى من حيث العمران ووفرة السكان والسُّلْطة، فلقد أصبحت عاصمة لبلدان نجد قبل نهضة الدرعية.

هذه المدينة وُجد بها العلماء وكثروا فيها، ولقد حدثني والدي  -وهو من حفظة التاريخ- أنَّ فيها أكثر من ثمانين عالمًا يدرسون العلم في جوامعها متعاصرين في زمن واحد.

هذا كله قبل الدعوة الإصلاحية، وحينما قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالدعوة ضعفت الحركة العلمية في هاتين المدينتين وخَلَفَتْهما:

المدينة الثالثة (الدرعية):

فالدرعية بعد أن صارت مقرَّ الدعوة وقاعدة الحُكْم الجديد، وَفَدَ عليها العلماء من كل حَدَبٍ وصَوْب، وعمرت حلقات الدروس على الشيخ محمد وعلى أبنائه وكبار تلاميذه رحمهم الله تعالى، ووفد إليهم طلاب العلم والمعرفة من الجزيرة العربية وخارجها، وصاروا يجدون فيها العلم وكفاية المؤنة، كما يجد العلماء منهم المناصب الرفيعة والرتب العالية في النواحي التابعة للعاصمة الفتيَّة.

فراجت فيها سوق العلم وكَثُر أهله ونشطوا في تحصيله وتنافسوا في نيله، حتى كان من ذلك حركة علمية كبيرة لم تعرفها البلاد النجدية من قبل، فلمَّا أصيبت العاصمة بالنكبة المشهورة وانتهى حكم آل سعود الأول قامت على أنقاضها:

المدينة الرابعة (الرياض):

هذه المدينة خلفت الدرعية في نهضتها العلمية حينما حلَّها الإمام تركي بن عبد الله آل سعود وجدَّد ملك آبائه فيها، وجعلها قاعدة حُكْمه، فصارت مكان الدرعية في وفرة العلماء وكثرتهم ونشاطهم وإقبالهم حتى ضعف آل سعود بوفاة الإمام فيصل ، ثم قام موحََِّد الجزيرة العربية وباني نهضتها الحديثة الإمام الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ، الذي أغدق على العلم وأهله في جميع أصقاع المملكة العربية الواسعة، والذي قدَّر العلماء وجعل لهم الصدارة والكلمة الأولى في نهضته المباركة، ثم تتابع أبناؤه بعده في إكرام العلماء وتشجيعهم وفتح المدارس من الروضات إلى الجامعات وأقسام التخصص بجميع أنواع المعرفة، رحم الله أمواتهم وبارك في أحيائهم.

نوع الثقافة:

منذ عرفنا علماء نجد حتى قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى فإنَّ علمهم يكاد ينحصر في الفقه أي في المسائل الفروعية الفقهية، والمذهب السائد لديهم هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ، مع وجود غيره من مذاهب الأئمة الأربعة الأخرى إلَّا أنَّ الأكثر هو مذهب الإمام أحمد، وعلمهم -على اختلاف مذاهبهم- لا يكاد يخرج عن تحقيق هذا النوع من العلم؛ فعِلْم التفسير والحديث والتوحيد مشاركتهم فيها قليلة جدًّا، وعلوم اللسان لا يهتمون منها إلا بعلم النحو في مختصرات كتبه التي يتعلمون منها ما يقوِّم ألسنتهم عن اللحن.

وما عدا هذا فيعتبرون تعلُّمَه مضيعةً للوقت ومشغلة عمَّا هو أولى منه، ويندُرُ منهم من يتعدَّى الفقه إلى غيره من العلوم الشرعية والعربية.

ومن هؤلاء النزرِ الشيخُ محمد بن أحمد بن إسماعيل، والشيخ سليمان بن علي بن مُشرَّف، والشيخ منيع بن محمد العوسجي.

أما فقه مذهب الإمام أحمد فهم يُجيدونه إجادة تامَّةً ويُعَنْون به عناية ممتازة، حيث يدرسون كتبه دراسةَ إمعانٍ، ويبحثونها بحثَ تحقيقٍ وتدقيقٍ.

فلمَّا انتشرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب تغيَّر هذا الاتجاه وتنوَّعت الثقافة وتعدَّدت العلوم، فصارت العناية بالتوحيد لا سيَّما توحيد الألوهية، وصار الاهتمام بكتب التفسير السلفية؛ كابن جرير وابن كثير والبغوي ونحوها، وصار الالتفات إلى الحديث وأمهات كتبه وشروحها، كما دُرست أصول هذه العلوم وصار الاهتمام بالفقه وموضوع الدرس منه هو فقه الإمام أحمد بن حنبل، إلَّا أنَّه إذا كان القول المشهور فيه ضعيفًا والرواية الأخرى أصح أُخذ بالقول الراجح الذي يَعْضُدُه الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة، ولا يخرج عن قول بقية الأئمة أو بعضهم.

وإذا أردتَ المقارنة بين العَهْدين بتحقيق المسائل العلمية فقارِنْ بين فتاوى علماء نجد التي نقل بعضها الشيخ أحمد المنقور في «مجموعه»، وبين فتاويهم التي جُمعت في «الدرر السنية» لترى أنَّهم في الأول يقتصرون على المشهور من المذهب، ويحاولون تطبيق ما يفتون به على ما قاله فقهاء الحنابلة، عارية عن سَوْقِ الأدلة من الكتاب والسنة.

أما في «الدرر السنية» فترى الفتاوى مستقاة من مذهب أحمد  إلَّا أنَّها مقرونة بأدلتها الشرعية، كما تجد أنَّها قد تُخالِف المشهور من المذهب حينما يكون الدليل الصحيح خلاف المذهب.

وتجد بجانب الفتاوى الفرعية -بعد قيام الدعوة- علوم الشريعة الأخرى، فهذا علم التوحيد الذي قامت الدعوة لتحقيقه، وهو الذي نال القسط الأوفر من العناية والتحقيق والتأليف وكتابة الرسائل والنصائح، لا سيما فيما يتعلق بتوحيد العبادة.

كذلك تجد الكتابة في التفسير والحديث.

والقصد أنَّه تغير اتجاه الثقافة بين العهد الأول والعهد الثاني، حيث تحرَّرتِ الأفكار واتَّسعتِ المدارك وتعدَّدتْ جوانب العلوم فنشطت حركة التأليف وكتابة الرسائل والنصائح والرد على المخالفين.

لماذا ساد المذهب الحنبلي في نجد؟

قبل ظهور الشيخ محمد بن عبد الوهاب واتحاد البلاد وتوحيد التعليم، كانت المذاهب الأربعة كلها موجودة في نجد، إلَّا أنَّ المذهب المنتشر فيها هو المذهب الحنبلي، والغالب على أهل الخرج أنَّهم كانوا على مذهب الإمام أبي حنيفة والشافعي، ومن علمائهم راشد بن خنين، العائذي نسبًا الحنفي مذهبًا، المعاصر والمعارض للشيخ محمد ودعوته، وقد أخبرني الشيخ راشد بن خنين -عصريُّنا- الرئيس العام لمدارس البنات أنَّه مكث مدة طويلة كاتبًا لقاضي الخرج الشيخ عبد العزيز ابن باز، وأنَّ الوثائق والأحكام التي كانوا يجدونها كلُّها صادرة من قضاة أحناف أو شافعية، وأنَّ علماء آل خنين السابقين كانوا أحنافًا.

وقد ذكر الشيخ أحمد المنقور في صحيفة 223 من «مجموعه»  أنَّ الشيخ حسين بن عثمان بن زيد انتقل من المذهب الحنبلي إلى المذهب الشافعي، وأنَّه لم يترك مذهب الإمام أحمد إلا بعد تبحُّره فيه وبلوغه حدَّ التأليف، ثم اختار مذهب الشافعي، وتلميذ الشيخ حسين بن عثمان عالم الرياض الشيخ سليمان بن محمد بن شمس.

ويدل على وجود المذاهب الأربعة وجودُ كتبِ تلك المذاهب، وانظر إلى مراجع الشيخ أحمد المنقور في «مجموعه» تجد طائفة كبيرة من كتب فقه الأئمة الأربعة التي اطلع عليها المؤلف.

كما يوجد في بعض فقهائه تصوف وانتحال طرق معيَّنة، أما بعد قيام الشيخ محمد بن عبد الوهاب فتوحَّدت المذاهب الفروعية بالمذهب الحنبلي مع مراعاة الأخذ بالقول الذي يؤيِّده الدليل.

كما ساد مذهب السلف في توحيد الألوهية والأسماء والصفات، وقضى على جميع البدع والخرافات والطرق ولله الحمد.

أما سبب انتشار المذهب الحنبلي في نجد ووجود غيره فيها، فيرجع إلى أنَّ طلبة العلم كانوا يسافرون إلى الأحساء وإلى العراق وإلى الشام ومصر والحجاز ويتلقَّوْن علومهم هناك ويتَّبعون مذاهب شيوخهم الذين يأخذون العلم عنهم، فمن درس في الأحساء أخذ مذهب الإمام مالك ومذهب الإمام أبي حنيفة، ومن درس في العراق أخذ مذهب الإمام أبي حنيفة، ومن درس في مكة المكرمة أخذ مذهب الإمام الشافعي، ومن درس في الشام أخذ مذهب الإمام أحمد بن حنبل.

وبسبب كثرة اتصال نجد اقتصاديًّا في ذلك الزمن مع الشام كانت الرحلات التجارية تصاحبها الرحلات العلمية، وسترى في هذا الكتاب عددًا كبيرًا من العلماء تلقَّوْا علومهم وإجازاتهم من علماء الحنابلة في الشام كدمشق ونابلس، وصار من هؤلاء التلاميذ النجديين علماء كبار؛ كالشيخ أحمد بن يحيى بن عطوة تلميذ مؤلف «الإنصاف» الشيخ علي بن سليمان المرداوي، وصاحب «جمع الجوامع» الشيخ يوسف بن عبد الهادي، ومن العلماء النجديين الذين تلقَّوا العلم على حنابلة الشام الشيخ أبو نمي بن راجح تلميذ الشيخ مرعي بن يوسف مؤلف «الغاية»، وكان الشيخ مرعي شاميًّا ثم صار مصريًّا، وكذلك الشيخ زامل بن سلطان تلميذ الشيخ موسى الحجاوي مؤلف «الإقناع».

فأمثال هؤلاء العلماء النجديين الكبار بلغوا في العلم مبلغًا كبيرًا وانتهت إليهم الرئاسة العلمية في بلدان نجد، وهم قد قلَّدوا المذهب الحنبلي فأثَّروا في أهل بلادهم فصار جمهور النجديين حنابلة. 

ثم إنِّي في كتابي هذا ترجمت لعلماء كثيرين ممن عارضوا الدعوة السلفية التي جدَّدها الزعيم الإسلامي المصلح الإمام محمد بن عبد الوهاب، وجوابي عن هذا ما يلي:

قد ترجمت لهؤلاء وأنا -ولله الحمد- على بصيرة وعلم أنَّهم قد خالفوا الحق بأجلى صُوَره وأبرز معانيه، وأنَّهم بصنيعهم الذي عملوه مخطئون، وأنَّهم على خطر كبير، وأشدُّهم خطرًا من كان يعرف الحق ولكنَّه اتبع هواه لرئاسة أو عناد.

والذي أُعلنه للتاريخ والحق الخالد، أنَّ ما قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ودعا إليه هو العقيدة الصحيحة والتوحيد الخالص الذي يجب اتباعه.

وأهم مشكلة بين الشيخ محمد بن عبد الوهاب  وبين خصومه هو أنَّهم يرون أنَّ هناك آيات قرآنية نزلت في المشركين طبَّقَها على من يقرُّ بالإسلام ويؤدي شعائره من الصلاة والزكاة وغيرها، ويجيبهم الشيخ بأنَّ القرآن نزل ليطبَّق على أهل كل زمان ومكان، فمن أتى بأعمال شركية تناقض الإسلام فهي منطبقة عليه، وإن ادَّعى الإسلام وأتى بشعائره.

لماذا خصصت التراجم بعلماء نجد؟

أحمد الله تعالى أن أبعدني عن العصبية والوطنية المحدودة حينما خصصت هذه التراجم بالعلماء النجديين دون غيرهم من علمائنا في الحرمين الشريفين، أو في الأحساء، أو المناطق الجنوبية، أو في غير ذلك من أنحاء بلادي الحبيبة العزيزة.

وإنَّما الذي دعاني إلى تخصيص هذه التراجم بهذه الطائفة النجدية هو أنَّهم مُهْمَلون لم يُعْنَ بهم ولم يُترجم لهم ولم تُذكر أخبارهم وآثارهم، بينما علماؤنا في الحرمين الشريفين وفي أصقاع الجزيرة قد ذُكروا وتُرجم لهم وتعددت الكتب والتواريخ والسِّيَر عنهم، فلو أنَّني ترجمت لهم فإنَّ كل ما سأقوله عنهم فإنَّما أنقله من كتب الذين قبلي لأزيد به كتابي، أما علماء نجد فقد يسَّر الله لي -ولله الحمد والمنة- مراجعَ خطِّيَّة من مجاميع ودفاتر وإجازات ووثائق وفتاوى وأحكام، وغالبها بأقلام هؤلاء العلماء أو منقولة عنهم نقلًا أمينًا عن أقلامهم؛ فشجعني ذلك على تدوين هذه التراجم؛ لئلَّا تضيع كما ضاعت أخبار من قبلهم.

والفضل الأول لله تعالى على تيسيره، ثم لعمِّي الشيخ سليمان بن صالح البسام  الذي أطلعني على مجاميع وأوراق تعب في جمعها وكتابتها المؤرخ الشيخ إبراهيم بن صالح ابن عيسى رحمه الله تعالى الذي وقف عمره على جمع هذه الفوائد في التاريخ والأنساب، كما يعود الفضل لأسلافي وأهلي الأقدمين الذين حرَصوا على تدوين هذه المعلومات حتى وصلت إلينا.

صفة ترتيب التراجم:

رتبت تراجم العلماء في كتابي هذا على حسب حروف الهجاء، وإذا اشتركوا في الاسم كان التقديم بحسب تقدُّم حرف الأب، فإذا اشتركا في الأب أيضًا كان التقديم بحسب تقدُّم حرف الجد وهكذا، لكن سبعة علماء كان لهم فضل كبير، وميزة عظيمة، وأثر جليل في الدعوة إلى الله تعالى ونشر الإسلام والزعامة العلمية جعلتهم في صدر هذا الكتاب؛ تنويهًا بفضلهم، واعترافًا بجليل قدرهم، وتقديرًا لبذلهم في سبيل الإسلام والمسلمين.

وهؤلاء العلماء الأعلام هم:

1- الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

2- الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد.

3- الشيخ عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد.

4- الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد.

5- الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد.

6- الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن حسين ابن الشيخ محمد.

7- الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الشيخ محمد.

رحمهم الله تعالى وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا، كما أسأله تعالى أن يرحم علماء المسلمين عامَّةً الذين بذلوا حياتهم في خدمة الإسلام والمسلمين، وأن يرحمنا ووالدينا برحمته الواسعة.

وقد تطول بعض التراجم، ولكن طول الترجمة ليس مقياسًا على الاهتمام بصاحبها أكثر من غيره، وإنَّما السبب في ذلك أنَّني أجد أخبارًا لم يَسبق لها أن نُشرت، أو أُرَجِّح أنَّه لم يَطَّلع عليها غيري، فأحرص على تقييدها لإشراك القراء معي في الاطلاع عليها، ولأحفظها بالنشر عن الضياع، فتطول ترجمة العالم لهذا السبب الوجيه.

وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، ويجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

المؤلف



إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أمَّا بعد:

فإنَّ كتابنا «علماء نجد خلال ستة قرون» لاقى -ولله الحمد- رواجًا عند القراء منقطع النظير؛ ذلك أنَّ (عشرة آلاف) نسخة منه نفدت في مدة وجيزة جدًّا، ونال إعجاب القراء وثناءهم، فلديَّ ملفات من رسائلهم كلُّها تُشيد بمدحه والثناء عليه والإعجاب به، هذا عدا المكالمات الهاتفية والمقابلات الشخصية، وإنَّ هذه الإشادة جاءت من جمهورٍ كبير قرؤوه واستوعبوه، فإنَّ حديثهم عنه ومناقشتهم لما جاء فيه دليلٌ قويٌّ على أنَّهم قرؤوه قراءةَ تأملٍ واستيعاب، وأنَّهم ناقشوه وقارنوا بين تراجمه، وهذا يدل على عناية تامة من القراء لهذا الكتاب، فللَّه الحمد على توفيقه وتسديده.

هذا، والكتاب مضى على نشره الآن نحو ربع قرن، وهو لم يُنْسَ ولم يَغِبْ ذِكْرُه عن الأذهان، مع أنَّ العادة أنَّ الكتاب إذا اختفى من السوق انمحى اسمه من ذاكرة الناس وشُغلوا بغيره، وأمَّا هذا الكتاب فبقي في أذهان الذين أدركوه، وتجدَّدت ذكراه في أذهان الأجيال الذين لم يدركوه، وإنَّما تلقَّوا الثناء ممَّن قبلهم، والقراء في كل مكان ألحُّوا عليَّ بإعادة طبعه برقيًّا وهاتفيًّا وشفهيًّا، كما طلبتْ إعادةَ طبعه عددٌ من دور النشر، والآن تلبيةً لهذه الرغبات الكريمة وتقديرًا لتلك النفوس الطيبة، وإشاعةً للفائدة المطلوبة، فإنَّنا نعيد طبعه مبيِّنين فرق هذه الطبعة الثانية عن الطبعة الأولى، وجعلنا هذه الفروق بفصول مرتبة كالآتي:

أولًا: إنَّ الطبعة الأولى لم تَخْلُ من أخطاء مطبعية وأخرى معنوية نتيجة نقص الإنسان، كما أنَّ أغلب المعلومات التي فيها مصدرها الرواة، والحافظة قد تخطئ، ومع هذا فهي أخطاء قليلة -ولله الحمد- وقد تلافينا كل ذلك النقص في هذه الطبعة (الثانية) بحول الله تعالى.

ثانيًا: إنَّ في هذه الطبعة زيادة على الأولى في عدد التراجِم، وذلك أنَّ منهم من فاتنا في الطبعة الأولى جهلًا بهم أو نسيانًا، ومنهم من ماتوا بعدها، وهي مدة تزيد عن ربع قرن، رحم الله تعالى الجميع الأولين والآخرين.

ثالثًا: إنَّنا وجدنا تراجِم في القرن (الثامن) الهجري، كما دخل علينا عند إعداد هذه الطبعة القرن (الخامس عشر) فبعد أن كان الكتاب تاريخيًّا لستة قرون، أصبح الآن تاريخيًّا لثمانية قرون، ولهذا جعلت اسمه: «علماء نجد خلال ثمانية قرون» ومعلوم شرطي في الكتاب أنِّي لا أترجم فيه للأحياء.

رابعًا: إنَّني في الطبعة الأولى أعرضتُ عن الترجمة لطلاب علمٍ لم يصل مستواهم أن يُعدُّوا من العلماء، وكذلك لأصحاب مدارس كُتَّابيَّة أعرضتُ عنهم؛ لأنَّ الكتاب مخصَّصٌ للعلماء، إلَّا أنَّي رأيت أنَّ لهؤلاء حقَّ الذِّكْر فلهم جهدهم حسب قدرتهم واستطاعتهم في التعليم، فلا ينبغي إهمالهم وهم الموجِّهون والمربُّون، وأصحاب اللَّبِنة الأولى في التربية والتعليم، سواء كانوا أصحاب مدارس كُتَّابيَّة أو أنَّهم في مستواهم العلمي من أئمة المساجد ووعَّاظها، فترجمت لهم في هذه الطبعة (الثانية)، على أنِّي حينما أترجم لهم أَزِنُهم وزنًا دقيقًا، وأقف بهم عند حدِّهم ومستواهم العلمي، ولا أغشُّ بهم من لا يعرفهم بأنَّهم (العلماء الأجلاء) ونحو ذلك من العبارات الكذَّابة الخدَّاعة، والتي هم  لا يرضون أن يوصفوا بصفات الغلو والمبالغة، لا سيما بعد أن قَدِموا على دار الحق، والغالب في تراجِم هؤلاء الموجِّهين والمربِّين أنَّهم في محيط مدينة عُنيزة، فإنَّني لا أعرف هذا النوع في غيرها.

خامسًا: إنَّ الكتاب كاسمه مخصَّص (لعلماء نجد) سواء كانوا منها ثم ارتحلوا إلى غيرها، أو أنهم قدموا إليها من غيرها واستقروا فيها، وجعلوها لهم وطنًا، فلم أخصَّه بالنجدي الأصل الذي لم يبرحها، ولم أخصه بعلماء المذهب الحنبلي من النجديين، فقد ترجمت لعلماء نجديين من الأحناف والمالكية والشافعية -وإن كانوا قلة- فهذا ما وجدتُه منهم. أمَّا اقتصاري على علماء نجد دون بقية بلادنا، فقد ذكرت سببه في مقدمة الطبعة الأولى.

سادسًا: قد تطول بعض التراجم، فنقول في سبب إطالتها ما قاله السبكي في طبقات الشافعية حينما طالت ترجمة والده: (هذه الترجمة قد طالت، ولا يظن الظانُّ أنَّا أطلناها اعتقادًا في الشيخ أنَّه أعظم أهل الطبقات الذين لم نُطِلْ في تراجِمهم كما أطلنا في ترجمته، وإنَّما السبب أنِّي على أحوال الوالد أكثر اطلاعًا منه على أحوال من لم نخالطه ولم نعاشره) .

وهكذا أقول: فمن وجدنا له أخبارًا أثبتناها، ومن لم نجد له اقتصرنا على ما علمنا، ورحم الله امرأً وقف عند ما علم.

سابعًا: إنَّني لم أوثِّق التراجِم وأخبارها إلا قليلًا، وأعترف أنَّ هذا نقصٌ، ولكنِّي أُطمئن القارئ أنَّني لم أنقل نسبًا أو خبرًا أو غيرهما إلا بعد التأكُّد من صحَّته وقوة سنده، وأهم عائق لي عن التوثيق هو أنِّي أنقل من قديمه؛ إما أحكام قضاة أو وثائق أوقاف ووصايا أو من أفواه الرواة ونحو ذلك .

ثامنًا: إذا تعارضت هذه الطبعة الثانية مع الطبعة الأولى، فالمعوَّل على ما في هذه الطبعة الثانية؛ لأنَّها هي التي حصل فيها التعديل والتصحيح.

تاسعًا: نأمل أن نكون قد وفِّقنا في هذه الطبعة لما فيها من تعديلات وتصويبات فاتتنا في الطبعة الأولى، كما أنَّنا زدنا في تراجِم هذه الطبعة فوائد وتحقيقات غير موجودة في الطبعة الأولى.

أما زيادة التراجِم في هذه الطبعة عن الأولى فقد تضاعف ضعفين تقريبًا -ولله الحمد- فقد كان في الأولى (338) وأما في هذه الطبعة الثانية فصار ما يقارب (900) ترجمة.

وأنبِّه هنا أنَّنا وضعنا تحت كل اسم في وسط الصفحة هلالين، أذكر فيهما سنة ولادة المترجَم إن عُرفت، وسنة وفاته؛ ليعرف القارئ مباشرةً القرنَ الذي عاش فيه المترجَم.

عاشرًا: أشكر كلَّ من أبدى لي ملاحظة، فإبداء الملاحظات أحبُّ عليَّ من الثناء والمدح، مع شكري للجميع.

وأسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل وأن يوفقنا للصواب، وأن يجعل عملنا خالصًا لوجهه الكريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.                                             

وكتبه
في منزله بحي العوالي أحد أحياء مكة المكرمة
حرسها الله من كل سوء آمين
في شهر رجب عام 1417هـ