سلة المشتريات

تكوين الذهنية العلمية، دراسة نقدية لمسالك التلقي في العلوم الشرعية

تكوين الذهنية العلمية، دراسة نقدية لمسالك التلقي في العلوم الشرعية
تكوين الذهنية العلمية، دراسة نقدية لمسالك التلقي في العلوم الشرعية
* السعر لا يشمل الضربية.
  • المؤلف: محمد بن حسين الأنصاري
35.00 ريال
دراسة يتمحور موضوعها حول طريقة تكوين الذهنية التقليدية وإماطة اللثام عنها، وتسليط الضوء على نتائجها السلبية، والبحث في أسبابها التاريخية والاجتماعية، ومن ثَمّ فهو محاولة لإيجاد المقترحات المكوِّنة للذهنية العلمية الفاعلة، حيث يقدم معالجة نقدية لبعض الظواهر المؤثرة في تكوين الثقافة السائدة المغالية في اعتماد أساليب السرد والتلقين التقليدي، مما انعكس على تفشي التقليد والجمود الذهني، وسجن العقل في قوالب جامدة.
الكتاب
الترقيم الدولي ISBN978-603-00-9212-3
اللغةالعربية
التجليدكرتوني
نوع الورقشمواة ياباني
عدد الصفحات358
المقاس17 × 24 سم
عدد المجلدات1
الوزن950 جم
رقم الطبعة2
سنة الطبع2013
المقدمة:11
موضوع الدراسة15
ما الجديد الذي يقدمه البحث؟17
مقصد الدراسة19
المخاطب بالدراسة20
تمهيد: المنهجيات التأصيلية في العلوم الشرعية27
أولًا: مفهوم المنهجيات28
ثانيًا: أقسام المنهجيات29
ثالثا: تنبيهات في فقه المنهجيات30
رابعًا: مرتكزات أساسية للبناء العلمي33
خامسًا: أسباب شيوع المنهجيات في عصرنا وأهميتها38
سادسًا: نشأة المنهجيات40
سابعًا: أصول المنهجيات48
أولًا: البدء بالكليات قبل الجزئيات48
ثانيًا: تحقيق البناء والتدرج48
ثالثًا: اليسر والسهولة50
الفصل الأول: ظاهرة «المتون والمختصرات» في العلوم الشرعية51
التوطئة55
مفهوم المتون والمختصرات55
أوصاف المتون والمختصرات57
المبحث الأول: المتون والمختصرات: التاريخ وعوامل التكوين63
المطلب الأول: تاريخ نشأة المتون والمختصرات63
أ) ظهور المتن النثري64
ب) بدايات النظم التعليمي69
المطلب الثاني: عوامل ظهور المتون والمختصرات ومقاصدها76
مسايرة النظام السائد89
المبحث الثاني: المتون بين القبول والرفض93
توطئة: ترميز التراث المتقدم93
المطلب الأول: مظاهر قبول المتون والمختصرات95
المطلب الثاني: جهود العلماء في نقد التعامل الخاطئ مع المتون102
المطلب الثالث: المآخذ على المتون ونتائجها السلبية على العلم والتعليم121
توطئة: المصالحة مع التقليد121
تضييق دور الاجتهاد وإغلاقه124
مساهمة المتون في ترسيخ التقليد134
المتون ونمو بذرة التعصب!!144
جناية التعصب على العلم146
الاجتهاد ضرورة شرعية وحاجة عصرية157
انحصار العلم في نمط واحد161
الإغراق في الجزئيات169
تحول المتون عن غايتها وهدفها174
هوس الموسوعية وتكثير المتعالِمين179
الدعوة لإحياء فقه السلف184
الفصل الثاني: مسلك الحفظ والتلقين في التعلّم189
توطئة: شيوع التلقين واتجاهاته191
شيوع التلقين في عصر ابن عبد البر193
اتجاهات الشرعيين في مسلك التلقين والحفظ194
المبحث الأول: أهمية الحفظ، ودور المتون في تنميته وإشاعته199
المطلب الأول: أهمية حفظ العلم199
التلقين قيمة باقتران الفهم206
المطلب الثاني: دور المتون في تنمية التلقين وإشاعته213
المبحث الثاني: أثر المبالغة في التلقين والإكثار منه على العلم219
توطئة: مقام الفقه والتدبر219
تنويع المجالات بلا شطط243
الفصل الثالث: رؤية بنائية (الأسس والبدائل)249
توطئة: تفعيل مبدأ التكامل بين الوسائل المحصّلة للعلم251
المبحث الأول: المثال التطبيقي وبناء آليات المتون ومعايير جودتها255
المطلب الأول: أنواع المختصرات الأصولية255
المطلب الثاني: أشهر المختصرات الأصولية عند المتأخرين264
المطلب الثالث: استنتاجات موجزة حول المتون السابقة265
ما الذي يريده المتعلم من دراسة المتون؟270
المطلب الرابع: آليات اختيار المتون ومعالم جودتها271
المبحث الثاني: المقترحات المكوِّنة للذهنية العلمية285
المطلب الأول: المقترحات النظرية والفكرية285
1- الحذر من الإلف العلمي285
2- تنمية الملكة العلمية289
3- نمو العلم بالبحث والتنقيب293
4- الدعوة إلى النقد وهجر التقليد298
5- ثقافة السؤال وعدم التلقين301
6- إبراز الاستدلال العقلي في الخطاب الشرعي307
المطلب الثاني: المقترحات العملية والتطبيقية310
1- المبادرة لتيسير منهج التعلّم310
2- هجر المتون المقفلة311
3- دور المحافل العلمية تجاه هذه الظاهرة سلبا أو إيجابا313
4- الانتقاء من مختصرات المتقدمين314
5- مجاوزة المنهج القائم على شرح المتون لفظة لفظة!317
6- الإضافة وإنشاء البديل322
7- العناية بمقام التدريب والتطبيق323
الخاتمة: وتتضمن أهم النتائج والتوصيات327
أولًا: النتائج328
ثانيًا: التوصيات335
ثبت المصادر والمراجع339
أولًا: المصنفات والبحوث339
ثانيًا: المواقع الإلكترونية358

مقدمة

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل، فلا  هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾ ، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ 

«اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما  اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم».

أمَّا بعد:

فإن التعليم الديني الشرعي من أهم ما يُشكّل العقلية الإسلامية ويرسم خارطتها، وأبرز ما يبني تصور الفرد المسلم؛ فمن خلاله يتخذ مواقفه تجاه الأشياء ويسعى لتحليلها ونقدها.

من هنا كان الاهتمام كبيرا في هذه الآونة بالتعليم - لا سيّما الشرعي - وبمسالكه في التلقي، وعليه فإن إصلاحه يُعدّ عملا جليلا، ومقصدا نبيلا، ومن جملة ما يُبيِّن أهمية التحصيل أن أيّ أثر ظاهر في الأمة سلبا أو إيجابا، سيكون التعليم هو المسئول الأوّل عن ظهوره سلبيًّا كان أو إيجابيًّا؛ فما حققته الأمة من قبل في تاريخها الغابر من تَقدّم وازدهار، قالوا: سببه تَقدُّم التعليم، وما حل بها من تخلّف وتقهقر في القرون المتأخرة، قالوا: التعليم الديني هو المسئول الأول عنه!!

وهذا ما جعل الأصوات المنددة بنقد واقع التعليم الشرعي تَظهر بين الفينة والأخرى تقول: عندما سَيْطر التوجه الديني التقليدي على التعليم ومناهجه؛ قتل الإبداع في الأمة، وأخفى مكامن قوتها وروحها !!

فما كان أثره بهذه المنزلة حريٌّ بنا تعاهد نتائجه على الدوام وتقويمها، ومراجعة أركانه باستمرار؛ لإقامة ما اندرس من معالمه وآثاره، ومحاولة التجديد والتكميل لما غاب منها، والسعي في بناء قاعدة راسخة البنيان في التلقي والأداء؛ لرتق ما فتق منها سلفا، وكَشْف الغطاء عمَّا جاد وحسن في هذا الباب مما طوته الأعوام، ونُسي مع تعاقب الأجيال، ورسوخ العادات، وإلف المنقولات!

ولا يخفى على المراقب والناظر أن العلم الشرعي في الوسط الإسلامي من أشرف المطالب، وأجلّ الرغائب، ومن أنفس ما صُرفت فيه الأوقات، وبُذلت الأعمار؛ إذ به تتحقق العبودية التامة والخشية الصادقة لله رب العالمين كما في محكم التنزيل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28].

قال ابن حزم (ت: 456هـ): «لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهّال يهابونك ويُجلّونك، وأن العلماء يُحبونك ويكرمونك؛ لكان ذلك سببًا إلى وجوب طلبه، فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة؟!» .

وقال الغزالي (ت:  505هـ): «إذا نظرت إلى العلم رأيته لذيذا في نفسه؛ فيكون مطلوبا لذاته، ووجدته وسيلة إلى دار الآخرة وسعادتها، وذريعة إلى القرب من الله تعالى، ولا يتوصل إليه إلا به، وأعظم الأشياء رتبة في حق الآدمي: السعادة الأبدية، وأفضل الأشياء ما هو وسيلة إليها، ولن يتوصل إليها إلا بالعلم والعمل، ولا يتوصل إلى العمل إلا بالعلم بكيفية العمل؛ فأصل السعادة في الدنيا والآخرة هو العلم، فهو إذن أفضل الأعمال، وكيف لا وقد تعرف فضيلة الشيء أيضا بشرف ثمرته، وقد عرفت أن ثمرة العلم القرب من رب العالمين، والالتحاق بأفق الملائكة ومقارنة الملأ الأعلى، هذا في الآخرة، وأما في الدنيا فالعز، والوقار، ونفوذ الحكم على الملوك، ولزوم الاحترام في الطباع» .

ويكفي العلم شرفا أنه طريق موصل إلى الجنة بنص كلامه - بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام - فقد قال: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهَّل  الله له به طريقا إلى الجنة» ، قال الطوفي (ت:  716هـ): «والعلم الذي يترتب على التماسه تسهيل طريق الجنة هو العلم الشرعي النافع بنية القربة والانتفاع، ونفع الناس به كعلوم القرآن والحديث والفقه وأصوله ونحو ذلك» .

فالعلم الشرعي لا جدل في علو منزلته وشرفه، وبيان ذلك هنا ليس هو المقصود في هذا البحث، بل المقصود هنا بيان خطورة الضعف الظاهر في كثير من مجالات التحصيل العلمي الضرورية اللازمة.

وهذا الضعف لو كان فرعيًّا؛ لهان الأمر، لكنه في أسس وأصول التقدّم العلمي التي لا يمكن لأي علم أن ينهض بدونها كالبحث والنقد والتحليل ونحو ذلك، وذلكم الضعف قد تسلل إليها عبر بوابة الغلو في جوانب أخرى لها صلة بالعلم كما سيتضح، ولعدم الموازنة والتكامل فيما بينها وبين غيرها؛ كل ذلك وغيره يكفي داعيًا قويًّا لمثل هذا البحث، إضافة إلى شرف مكانة العلم، واتساع المعارف الدينية، وكثرة الفنون، وتنوع المناهج واختلافها من قُطرٍ إلى قُطرٍ؛ مما يستوجب على كل طالبٍ النظر فيما يحقق غرضه، ويلبي حاجته بأقوم السبل وأسهل الطرق، ولما كان الدارسُ ناقصَ العلم والتجربة بهذه السبل والمسالك، وربما كان مرشَحا لعدم التوازن في سبل العلم = كَتبَ في ذلك جملة من العلماء متقدمين ومتأخرين، وشاركَهم في ذلك عدد من الباحثين كلٌّ حسب جهده وطاقته؛ إرشادًا لطالب العلم في مسيرته العلمية والعملية ابتداء وانتهاء.

ولا ريب أن مقولةَ: «كم ترك الأول للآخر» محفِّزٌ ظاهرٌ لتقديم المشاركة في كل مجال علمي، فكيف إذا وجدت الحاجة لذلك، وبان الخلل واتسع الخرق؛ فحينها لا شك أن الطلب سيكون أحرى بالإجابة كلٌّ بما يرى أنه الأولى في معالجة الخطأ.

وثمة أسئلة تفرض نفسها في فاتحة كل دراسة كموضوع البحث، والجديد الذي يقدمه، ومقصده، والمخاطب به، وحتى يكتمل العقد، ولا نحرم القارئ مما اعتاد عليه وألفه؛ سأوجز جوابها في النقاط التالية:

أولا: موضوع الدراسة:

الذهنية العلمية في الوسط الشرعي العام، وفي محافل التدريس العلمية تعرضت لأمرين:

1- الغلو في صناعة القوالب والأشكال التي يُقدّم فيها العلم كالمتون والمنظومات.

2- المبالغة في طريقة الأداء والعرض بأسلوب التلقين، والإلقاء التقليدي المباشر.

والخلل في هذين الأمرين كان له مردود سلبي في تنمية مسائل العلم، وتطويرها بالنقد والتحرير، وعدم الرجوع لمصادره الرئيسة المكوِّنة له ابتداء، ومصنفاته الأصلية الموسعة.

ومَكمن الخطأ ومحله في هذين الأمرين: هو المغالاة فيهما وتكريسهما مع إغفال ما عداهما من مسارات التحصيل وأساليب التعلّم الأخرى.

وإقالة الذهن وتعطيله بأغلال من المتون والمختصرات الصناعية؛ تَعمّقت أكثر بنشر ثقافة التلقين، وجَعْل الذهن وعاء لتخزين آراء الآخرين ممثلة في ألغاز مُغْلقَة منثورة كانت أو منظومة؛ مما ساهم في إضعاف العقل النقدي والتحليلي.

وعليه فإن موضوع هذه الدراسة يتمحور حول هذه القضية الكلية، وإماطة اللثام عنها، وتسليط الضوء على نتائجها السلبية، والبحث في أسبابها التاريخية والاجتماعية، ومن ثَمّ محاولة إيجاد المقترحات المكوِّنة للذهنية العلمية الفاعلة.

والخلل في الساحة العلمية الشرعية وإن كان ناتجا في الظاهر من عدم الاتزان والتكامل في مناهج تحصيل العلم وطرقه؛ إلا أنه في حقيقة الأمر ربما يقال: إن مصدره ومنطلقه هو الذهنية التي تتعاطى مع العلم؛ لأنها ألِفَت مسارا واحدا واعتادت عليه، ورأت من تتابع العصور عليه موجبا للزومه وعدم الخروج عنه، فضلا عن نقده وتعديله.

وأتمنى من القارئ الكريم ألا يعجل في الإنكار حتى يرى الآثار السلبية التي نتجت من المبالغة في هاتين القضيتين، ويختبر الحجج والبراهين المذكورة معها، والأقوال المدعومة بها؛ وعليه فإن لم يقتنع ببعض ما ذكرته فلا أقلَّ من أن يلتمس لي عذرًا فيما اجتهدت فيه وتوصلت إليه، ﴿مَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:88].++

وفي مثل هذه الدراسة التي يرتكز جزء كبير منها على التجربة والواقع ربما يحسن بالمستفيد ألا يبقى رهن التاريخ فحسب، وألا يُسلّم نفسه للفكر الماضي وأسلوبه وتجربته؛ كيلا يحاصره في أمر مرجعُه في الأصل إلى حال الناس، وما يحقق غرضهم بأيسر السبل، وإن لم تكن تلك المسالك معلومة من قبل؛ فالقِدَم لا يصلح معيارا لقبول أمر كهذا أو رفضه، كما أنّ اجتهادات الآخرين قد لا تُمثل الحقيقة في نفسها.

وأنبه هنا إلى أن «المتون»، وكذا «الحفظ» أمران لازمان لا يمكن الاستغناء عنهما ألبتَّةَ لطالب العلم في ابتداء طلبه، ولا يراد بهذا البحث إلغاؤهما بالكلية وأنّى له ذلك؛ إذ المتون بها يَبدأُ العلم ويُبنى في مراحله الأولى، كما أن ثمة علوما لا قيام لها في ذهن المتعلّم بغير الحفظ والتلقين، ومَن نسب إليَّ إلغاءهما بالكلية فقد أساء وتعدى وظلم.

ثانيا: ما الجديد الذي يقدمه البحث؟

ومع كثرة ما كُتب في هذا الموضوع، وكثرة ما فيه من الإفادة، إلا أن البحث يمكن أن يقدم للقارئ شيئا جديدا ومفيدا، ويضيف إلى الجهود السابقة عدة أمور ربما لا توجد فيها، أو لم تظهر جليًّا في موادها، ومجمل ما يضيفه البحث يظهر في الأمور التالية:

الأول: هذا البحث يقدم معالجة نقدية لبعض الظواهر المؤثرة في تكوين الثقافة السائدة المغالية في اعتماد أساليب السرد والتلقين التقليدي، مما انعكس على تفشي التقليد والجمود الذهني، وسجن العقل في زَبد العلم ومُلَحِه، كما أن البحث يتضمن تصحيحًا لعدد من المفاهيم الفكرية المتعلقة بهذا الأمر.

الثاني: يقدّم رؤية مقترحة للتطبيق، ومنظومة متكاملة في بناء الذهنية العلمية في الفنون الشرعية.

الثالث: تقديم إجابات حول السؤالات المتكررة في قضايا التحصيل والطلب من «المتون»، وبيان أثرها على العقلية الشرعية.

الرابع: المراجعة النقدية للضعف الظاهر في جودة البحث الشرعي الذي يتجلى في عدد من وسائل العلم كالتحليل والنقد.

الخامس: السعي في بناء عقلية علمية مؤصلة شرعيًّا متطورة ومتوائمة مع وسائل العلم العصرية ومناهج البحث العلمي التي تساعد على الفهم والتطبيق والتجديد والإضافة.

السادس: في هذه الدراسة عدد من الموضوعات المهمة، والأفكار التي لم تبرز بالشكل المطلوب عند كثير ممن كتب في هذا المجال، أرجو أن تحقق إضافة بارزة للمكتبة الشرعية، وزيادة للمعرفة الذاتية، كالبحث في نشأة المتون والمختصرات تاريخيًّا، وموقف العلماء منها في الجملة، ونتائجها السلبيّة والإيجابية، وكذا آثار التلقين والغلو فيه، والمقدمة التمهيدية الخاصة بتنظير مسالك التأصيل العلمي، وينضاف لذلك الفصل الأخير من الدراسة المتعلق بمكوِّنات الذهنية العلمية، وتقديم الآليات والمعايير التي تقربنا من اختيار المتون المناسبة للتعليم.

السابع: في هذا البحث محاولة لإبراز عدد من أقوال العلماء النقدية والبنائية في هذا المجال التي لم تأخذ حقها من الذيوع والانتشار مع أهميتها البالغة، وحرصت على الإكثار من النقل في المعنى الواحد؛ ليُعلم أن نقد هاتين الظاهرتين ليس جديدا ولا يعد جناية على العلم، ومن مقاصد ذلك أيضا إيجاد التوازن بين مسالك العلم، والنظر ابتداء في مسوغات الأقوال وحججها.

الثامن: ربما يجد المتخصص في أصول الفقه والمشتغل به إضافة يسيرة في الأمثلة التطبيقية المنثورة في البحث لا سيّما في الفصل الأخير.

ثالثا: مقصد الدراسة:

من المؤكّد أن التغيير يبدأ بصنع الأفكار، ونشرها حتى تتحول إلى ثقافة مجتمعية يرويها جيل عن جيل، ومن ثَمَّ تأخذ طريقها للتنفيذ والتطبيق. ومن أبرز الأفكار التي تسعى هذه الدراسة إلى تحقيقها ما يلي:

إيجاد التكامل والتوازن في تحصيل الوسائل المكونة للمعرفة.

تنمية دور الملكة والاجتهاد، وبناء عقلية فاعلة مع تغيرات المجتمع.

نشر ثقافة البحث العلمي، والاحتفاء بمناهجه وتقريرها، والدعوة إليها كالاستقراء والنقد والتحليل.

بث روح الاستقلال والمبادرة في إيجاد الحلول والبدائل الموافقة لعصرنا.

وأخيرًا: أتمنى أن تكون هذه الدراسة مفتاحا لدراسات أخرى تدعم هذه الأفكار، وتساعد على تعميقها في المجتمع، وربما في إيجاد السبل لتطبيقها في محافل العلم والتدريس.

رابعا: المخاطب بالدراسة:

القصد من هذه الدراسة هو المشاركة في تأسيس الوعي لدى طلاب العلم الشرعي في موضوعات هي من صلب اهتمامهم، مع اقتراح جملة من المكونات الذهنية للقائمين على محافل التدريس وحلق العلم من أساتذة ومربين؛ لغرسها في عقول المخاطبين، وإن كانت (هذه الدراسة) تختص ابتداء بطالب العلم الشرعي ودراسته والمناهج التي يسلكها في تحصيله؛ إلا أنها ستفيد قارئها أيًّا كان ما دام أن له صلة وثيقة بالمعرفة تلقيًا وأداء، وله نَسَبٌ بالفكر الإسلامي وتراثه، لا سيّما أن معالجة أفكارها تمَّت بالطريقة التي تثير التساؤلات، وتبحث عن مواطن الإشكال، وتقترح الأجوبة والحلول؛ رغبة في فتح آفاق ذهن القارئ، وعدم محاصرته في فكر واحد، وحل واحد.

وبعدُ؛ فإن هذه الدراسة ليست تقريرًا ملزِمًا، ولا تلقينًا مُسكِتًا، بل هي محاولة علمية، ومقترحات عملية؛ للتداول والنقاش مع إخوتي طلبة العلم، وعلمائنا الأجلاء، بخاصة أولئك الذين يمارسون التدريس في محافل العلم؛ لتقويمها وسد خللها، وإصلاح ما جانب الصواب منها، وطرح الغلط قدر المستطاع؛ راجيًا بذلك ردم الخلاف، والقرب من منطقة الاتفاق ما أمكن، ولا  يخفى أن مثل هذه الموضوعات لن يُحسم فيها الخلاف بقول قائل متقدما كان أو متأخرا، ولكن حسبي أن تكون قراءتي متوازنة، وتحليلي مقاربا لما يتطلبه الموضوع من الدراسة والبحث، وقد أكثرت من الاستشهاد بكلام العلماء قديما وحديثا في عدد من الأفكار المشْكِلة، لا سيّما تلك التي تُخالف المألوف، والتي أردت إبرازها بوضوح والدعوة إليها؛ ليعلم القارئ أهمية الفكرة، سواء أكان ذلك بحقيقتها في نفسها باستقلال، أم باتباع مَن دعا إليها من أئمة الإسلام، ولا  أدعو بذلك لتقليدهم بل النظر في تعليلاتهم ودلائل قولهم.

وقد رأيت أن تكون تحت العنوان التالي: «تكوين الذهنية العلمية». وستكون هذه الدراسة - بحول الله ومعونته - مشتملة بعد هذه المقدمة على تمهيد، وثلاثة فصول، وخاتمة، وهي على النحو التالي:

المقدمة: وفيها تحديد الموضوع، وأهميته، ومقصده، والمخاطب به، وخطة الدِّراسة.

التمهيد: ويدور حول المنهجيات (المسالك) التأصيلية في العلوم الشرعية.

الفصل الأول: ظاهرة «المتون والمختصرات» في العلوم الشرعية، وفيه توطئة، ومبحثان:

التوطئة: فيها مفهوم المتون والمختصرات، وأوصافها.

المبحث الأول: المتون والمختصرات: التاريخ وعوامل التكوين.

المبحث الثاني: المتون بين القبول والرفض.

الفصل الثاني: مسلك الحفظ والتلقين في التعلّم، وفيه توطئة، ومبحثان:

التوطئة: حول شيوع التلقين واتجاهاته.

المبحث الأول: أهمية الحفظ، ودور المتون في تنميته وإشاعته.

المبحث الثاني: أثر المبالغة في التلقين والإكثار منه على العلم.

الفصل الثالث: رؤية بنائية (الأسس والبدائل)، وفيه توطئة، ومبحثان:

التوطئة: فيها تفعيل مبدأ التكامل بين الوسائل المحصّلة للعلم.

المبحث الأول: المثال التطبيقي وبناء آليات المتون ومعايير جودتها.

المبحث الثاني: المقترحات النظرية والتطبيقية المكوِّنة للذهنية العلمية.

الخاتمة: وفيها أهم النتائج والتوصيات.

وقبل إنهاء المقدمة أسأل الله تبارك وتعالى التوفيق والسداد في القول والعمل، كما أسأله أن يهدينا للحق فيما اختلف فيه، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير.

وأرجو من القارئ الكريم الإرشاد والتسديد لخطل القول وزلل التقرير؛ فـ«إني إذ أكتب هذا البحث مسطرًا فيه ما أحسبه الحق الصراح؛ إلا أني لا أشك أن الخطأ حليف بني آدم، والنسيان من خلقة الإنسان. لكني أطلب من القارئ الإنصاف، وأسأله أن يجتهد في طلب العدل، كما أطالب نفسي بذلك. فإن وقف أحد على خطأ، أو اتضح له زلل، أو خالفني في شيءٍ من هذا البحث = فالنقد العلمي سبيل التصحيح، والنصيحة الأخوية سبب القبول، والعدل في موازنة الحسنات بالسيئات نهج للحق واضح. إن أحب نشر ذلك فبها ونعمت، وإن أحب أن يخصني بشيء منه فهو حسن» .

وقديما قيل في العبارة السائرة: «إني رأيت أنه لا يكتب أحد كتابا في يومه، إلا قال في غده: لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ هذا لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر».

وأخيرًا، أقدم شكري وامتناني لجميع من أعانني وأرشدني من علمائي الأجلاء، وإخواني طلبة العلم الذين أكرموني بقراءة هذا البحث، وأشاروا عليَّ بفكرة، أو نقل، أو ملحوظة، فشكر الله لهم جميعًا ما بذلوه من النصح والتوجيه، وأخص منهم بالذكر الشيخ الدكتور / الشريف حاتم  بن عارف العوني - سلمه الله -، وكلًّا من المشايخ والأساتذة الكرام الذين بذلوا وقتهم في مطالعة البحث بأكمله، كالدكتور/ أحمد بن محمد عمر (حوَّد) الأنصاري، والأساتذة التالية أسماؤهم: سلطان بن عبد الرحمن العميري، وياسر بن ماطر الرويزن، وعبد القدوس بن يحيى الأنصاري، ومصطفى ايتيم الجزائري، أو  الذين قرءوا بعض فصوله ومباحثه، كوائل بن سلطان الحارثي، وأبو بكر بن محمد الأنصاري، ومنصور بن رشيد، وغيرهم، كما لا أنسى شكر رفيقة دربي التي ساعدتني في نسخ وتقييد عدد من نقول هذا البحث، فأشكرها على إعانتها أوَّلًّا، وعلى صبرها عليَّ ثانيا في سبيل رؤية هذه الدراسة؛ لكثرة مشاغلي وانصرافي عنها.. والحمد لله رب العالمين من قبل ومن بعد؛ فإنه المستحق للحمد سبحانه وتعالى..

محمد بن حسين بن سيدأحمد الأنصاري

alansari2000@hotmail.com

alansary95@gmail.com

مكة المكرمة - حرسها الله -

27/9/1431هـ